فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 515

الإمام الحفيل، أن يصرف إليه وجه العناية، وينظر إليه بعين الإقبال والرعاية، ليعزّ في الناس جانبه، ويطلع في أفق السّعد بعد الأفول غاربه، ويبلغ من منتهى أمله ما له جهد، ويسعد بالنظر السعيد جدّه فقد قيل: «من وقع عليه نظر السّعيد سعد» .

على أنه - أمتع الله الإسلام ببقائه وبقاء والده، وجمع بينهما في دار الكرامة كما جمع لهما بين طارف المجد وتالده - قد فتح له من التّرقي أوّل باب، ولا شكّ أنّ نظرة منه إليه بعد ذلك ترقيه إلى السّحاب.

فأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ÷ وأوّل الغيث قطر ثم ينسكب

فقال «علم التاريخ» : {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} ، وقروا عينا فإلى القصد الجليل وصلتم، وعلى غاية الأمل - ولله الحمد - حصلتم؛ فقد بلوت الأوائل والأواخر، وخبرت حال المتقدّم والمعاصر، فلم أر فيمن مضى وغبر، وشاع ذكره واشتهر، من ذوي المراتب العلية، والمناصب السّنية، من يساوي هذا السّيد الجليل فضلا! أو يدانيه في المعروف قولا وفعلا؛ قد لبس شرفا لا تطمع الأيام في خلعه، ولا يتطلع الزمان إلى نزعه، وانتهى إليه المجد فوقف، وعرف الكرم مكانه فانَاز إليه وعطف، وحلت الرآسة بفنائه فاستغنت به عن السّوى، وأناخت السّيادة بأفنائه فألقت عصاها واستقرّ بها النوى، فقصرت عنه خطا من يجاريه، وضاق عنه باع من يناويه، واجتمعت الألسن على تقريضه فمدح بكلّ لسان، وتوافقت القلوب على حبه فكان له بكلّ قلب مكان:

ولم يخل من إحسانه لفظ مخبر ÷ ولم يخل من تقريظه بطن دفتر

فهو الحريّ بأن يكتب بأقلام الذّهب جميل مناقبه، وأن يرقم على صفحات الأيام حميد مطالبه؛ فلا يذهب على ممرّ الزمان ذكرها ... ولما تمّ للعلوم هذا الاجتماع الذي قارن السّعد جلاله، وتفجّرت ينابيع الفضل خلاله، أقبلوا بوجوههم على الشّعر معاتبين، وبما يلزمه من تقريض هذا الحبر ومدحه مطالبين، وقالوا: قد أتى النّثر من مدحه بقدر طاقته، وإن لم يوف بجليل قدره ورفيع مكانته، فلا بدّ من أن تختم هذه الرسالة بأبيات بالمقام لائقة، ولما نحن فيه من القضية الواقعة مطابقة، قائمة من مدحه بالواجب، سالكة من ذلك أحسن المسالك وأجمل المذاهب، لتكمل هذه الرسالة نظما ونثرا، وتفتنّ في صناعة الأدب خطابة وشعرا، فقال: سمعا وطاعة، واستكانة وضراعة؛ ثم لم يلبث أن قام عجلا، وأنشد مرتجلا:

بشراكم معاشر العلوم أن ÷ جمعتم بصدر حبر كامل

فنونه لم تجتمع لعالم ÷ وفضله لم يكتمل لفاضل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت