يشفي الصّدور إن غدا مناظرا ÷ وبحثه فزينة المحافل
كم عمّرت دروسه من دارس ÷ وزينت بحليها من عاطل
وأوضحت أقواله من مشكل ÷ لمّا أتى بأوضح الدّلائل
وكم غدت آراؤه حميدة ÷ ونبهت بجدّها من خامل
وحكمه فكم أقال عثرة ÷ وجوده ففوق قصد الآمل
هذا: وقد فاق الورى رآسة ÷ محفوفة بألطف الشّمائل
من ذا يروم أن ينال شأوه؟ ÷ أنّى له بأمثل الأماثل
مولى علا فوق السّماك رتبة ÷ قد زيّنت بأفضل الفواضل
فما له في فضله من مشبه ÷ وما لبحر جوده من ساحل
حاشى لراج فضله أن ينثني ÷ صفر اليدين أو ممنّى الآجل
قلت: ولم أر من تعرّض للمفاخرة بين العلوم سوى القاضي الرشيد أبي الحسين بن الزبير في مقالته المقدّم ذكرها؛ على أنّها لم تكن جارية على هذا النمط، ولا مرتبة على هذا التّرتيب، مع الاقتصار فيها على علوم قليلة، أشار إلى المفاضلة بينها على ما تقدّم ذكره، ولكنّ الله تعالى قد هدى بفضله إلى وجوه التّرجيح التي يرجح بها كلّ علم على خصمه، ويفلج به على غيره؛ والمنصف يعرف لذلك حقّه، والذي أعانني على ذلك جلالة قدر من صنفت له وعلوّ رتبته، واتساع فضله، وكثرة علومه، وتعداد فنونه، إذ صفات الممدوح تهدي المادح وترشده" (1) ."
وفي ثاني المحرم افتتاح سنة (799 هـ) فرغ إملاء من كتابه الفذ العجيب؛ مواقع العلوم في مواقع النجوم، على يد تلميذه محمد عبد السلام المالكي، بمدرسة والده دار العلم بحارة بهاء الدين، بالقاهرة المعزية المحروسة.
وفي يوم الخميس أول يوم من شهر ربيع الأول سنة (800 هـ) عمل السلطان المولد النبوي على العادة، وحضر المشايخ، والقضاة، وجلس الشيخ البلقيني رأس الميمنة، وإلى جانبه الشيخ برهان الدين بن زقاعة، وإلى جنبه القاضي جلال الدين، وجلس رأس الميسرة أبو عبد الله
(1) أحمد القلقشندي، صبح الأعشى (14/ 237 و 258) .