وفي أوائل سنة (802 هـ) أفتى الجلال، وأبوه السراج، وقضاة القضاء، وزين الدين الفارسكوري وغيرهم؛ بهدم مقام الحنفي بالمسجد الحرام، وتعزير من أفتى بجواز بنائه على صفته المغالية، وأن ذلك جنحة فيه، وذلك أن وَليّ الأمر بمصر رسم بهدمه، فعارض في ذلك بعض ذوي الهوى، فتوقف فيه وسبب الإنكار في بناء هذا المقام، ما حصل فيه من كثرة شغل الأرض بالبناء وقلة الانتفاع بموضعه في الليالي الحارة؛ لأجل سقفه إلا بمشقة فادحة، وما يتوقع من إفساد أهل اللهو فيه، لأجل سترته لهم وغير ذلك (1) .
وَفي يوْم الْخمِيس سادس ربيع الأول سنة (802 هـ) استدعي الْملك الناصِر فرج بالأمير الكَبير أيتمش إلَى القصر وَقالَ لهُ: يا عَم، أنا قد أدْركْت، وَأريد أن أترشد، وَكانَ هَذَا قد بَيّته مَعَه الْأمِير يشبك والأمير سودون طاز فيمَن مَعَهُمَا من الخاصكية؛ ليستبد السلْطان، وَيحصل لَهم الغرَض في أيتمش والأمراء، وَيمتنع أيتمش من تصرف السلْطان، فينفتح لَهم باب إلَى القِتال ومحاربة أيتمش والأمراء، فأجَاب أيتمش السلْطان بالسَّمْعِ وَالطاعَة، وَاتفقَ مَعَ الْأمَراء والخاصكية على ترشيد السلْطان، وَأن يمتثل سَائر مَا يرسم بهِ، واستدعي في الْحَال الْخليفَة، وَشَيخ الِإسْلَام سراج الدّين البلْقِينِيّ، وقضاة القُضَاة، وقضاة العساكر وعلى رأسهم الجلال، ومفتو دَار العدْل، وكَاتب السرّ، وناظر الْجَيش، وَغَيره ممن عَادَته حُضُور المجَالس السلْطانية، وادعي القَاضِي
سعد الدّين إبراهِيم بن غراب ناظر الْجَيْش وَالْخاص على الْأمِير أيتمش بأن السلْطان قد بلغ راشدًا، وَأشْهد عدَّة من الْأمَراء الخاصكية بذلك، فحكم القُضَاة برشد السلْطان وخلع على الْخليفَة وَشَيخ الِإسْلَام وقضاة القُضَاة وَمن حضر من بقِية القُضَاة وَالفُقَهَاء وعَلى الْأمِير أيتمش، وَنزل أيتمش إلَى دَاره التِي كَانَ يسكنهَا في الْأيام الظاهِرية، وَنقل سَائر مَا كَانَ لهُ بالإصطبل السلطاني، وللحال دقتْ البشائر، وَنُودِيَ في القَاهِرة ومصر بالزينة وَالدعَاء للسلْطان فزينتا.
وَفي هَذَا اليوْم: عمل السلْطان المولد النبويّ على عَادَة أبيه، وحضر مَعَه الْأمَراء والقضاة وَمن عَادَته الْحضُور (2) .
(1) محمد الفاسي، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام (1/ 323) ، وعمر بن فهد، إتحاف الورى (3/ 412) .
(2) المقريزي، السلوك (6/ 8) ، ويوسف بن تغري بردي، النجوم (12/ 182) .