فهرس الكتاب
ومن الإيجاز؛ قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] (1) ، فإن معناه كثير، ولفظه قليل، وهذا من إيجاز القصر (2) ؛
= الوجه الأول: أنّ كلمة {يَحِيقُ} فى اللغة تدُل على معنى الِإحاطة، وقد فهم المفسّرون منها مع معنى الِإحاطة معنى الِإصابة والنزول، وهذه الزيادة إنما فهموها من دلالات لزومية فكرية، خارجة عن المعنى المطابقيّ لفعل {يَحِيق} وبناءً على هذا يكون المثال مما يندرج تحت عنوان: (الِإيجاز) الذي اعْتمِدَ فيه على الدلالة اللزومية، ولا يندرج تحت عنوان:
(المساواة) التي فيها تطابقٌ تامٌّ بين اللّفظ والمعنى بحسب الأوضاع اللغوية.
الوجه الثاني: أنّ عبارة {بأهْلهِ} ذاتُ احتمالين:
فهل المراد منها أصحابُ المكر المدَبرون له؟ أو المراد منها المستحقّون له، سواءٌ أكانوا هم المدبرين له، أوْ هُمْ ومعَهُمُ الذين دُبّر ضِدَّهم إذا كانَ هؤلاء أصحابَ شرٍّ أيضًا يسْتحِقّون أن يَحِيقَ بهم المكر السّيئ؟.
فإذا كان المراد هذا المعنى الثاني، فالعبارة تشتمل على إيجاز القِصَر باستخدام لفظٍ ذي معنىً كلّيّ صالٍح لنوعَيْن:
مُدَبري المكر، ومَسْتحِقّيه من غيرهم"."
ينظر: محمد القزويني، الإيضاح (3/ 180) ، وعبد الرحمن السيوطي، الإتقان (5/ 1585) ، وعبد الرحمن بن حبنكة، البلاغة العربية (2/ 20) .
(1) قال القاسمي:"لأنه قائم مقام قولنا: من همَّ بالقتل، فعلم أنه يقتص منه، فارتدع، سلم صاحبه من القتل وسلم هو من القوَد، فكان القصاص سبب حياة نفسين".
ينظر: الحسن العسكري، الصناعتين ص (175) ، ومحمد الزركشي، البرهان (3/ 292) ، وعبد الرحمن السيوطي، أصول التفسير، (تعليق القاسمي) ص (34) .
(2) قال السيوطي:"الإيجاز قسمان: إيجاز قصر، وإيجاز حذف."
فالأول: هو الوجيز بلفظه؛ قال الشيخ بهاء الدين: الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه؛ فهو إيجاز حذف، وإن كان كلاما يعطي معنى أطول منه؛ فهو إيجاز القصر، وقال بعضهم: إيجاز القصر؛ هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ، وقال آخر: هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود عادة، وسبب حسنه أنه يدل على التمكن في الفصاحة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (أوتيت جوامع الكلم) "."
ثم نقل كلام الطيبي مختصرا معتصرا فقال:"وقال الطيبي في التبيان: الإيجاز الخالي من الحذف ثلاثة أقسام:"
أحدها: إيجاز القصر؛ وهو أن يقصر اللفظ على معناه، كقوله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} إلى قوله: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 30 - 31] جمع في أحرف: العنوان والكتاب والحاجة، وقيل في وصف بليغ: كانت ألفاظه =