فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 161

فهناك أرض طيبة تشرب الماء فتحيا به، وتنبت الكلأ والعشب الكثير، ويشبهها من حملة العلم من جمعوا بين الرواية والدراية من العلماء الدعاة المعلمين، فهم ينتفعون وينفعون.

وهناك أرض تحفظ الماء، كأنما هي أحواض مبنية لمنع الماء أن يتشرب ويذهب سدى، فهي تمسكه ليشرب منه من يشرب، أو يسقي ويزرع. ويشبهها من أهل العلم الرواة الحفظة النقلة، الذين يحملون العلم لغيرهم، وإن لم يكن لهم فيه كبير فهم أو استنباط.

وأرض ثالثة سبخة رديئة، لا تنتفع بالماء لنفسها، ولا تمسكه لغيرها. ويشبهها أولئك الذين أعرضوا عن العلم والهدى، فلا ينتفعون ولا ينفعون، ولا يحفظون ولا يفهمون، فلا هم في أهل الرواية، ولا في أهل الدراية (1) .

فالعالم العامل المعلم هو وارث النبوة حقا - وقد روي عن المسيح - عليه السلام - قوله: من علم وعمل وعلّم فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماوات.

وكان السلف إنما يسمون الرجل"ربانيا"إذا علم وعمل بعلمه، وعلّم غيره، إشارة إلى قول الله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] .

وناهي المعلم شرفا وفضلا أن رسول الله وخيرته من خلقه سمى نفسه"معلما"، فعن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بمجلسين في مسجده: أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلّمونه، قال: كلا المجلسين على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله، ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم، وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلّمون الجاهل. فهؤلاء أفضل. وإنما بعثتُ معلّما. ثم جلس فيهم (2) .

(1) لابن القيم كلام جيد في هذا الحديث في كتابه"مفتاح دار السعادة"جـ 1 ص 60، فليراجع.

(2) أخرجه الدارمي جـ 1 ص 74، بتحقيق السيد عبد الله هاشم يماني. وأبو داود الطيالسي 1/ 36، والبغوي 1/ 274 - 275، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت