وأهم ما يميز علاقة الأبوة بالنبوة هو الرحمة والرفق والحنو. وهذا ما ينبغي أن يحس به التلميذ من أستاذه، ويشعر بحبه له، وحرصه على نجاته وسعادته في الأولى والآخرة، ويغرس الحب والأخوة بين طلابه، كما يغرس الأب بين أبنائه، حتى يحب بعضهم بعضا، ويعاون بضعهم بعضا، ويعطف بعضهم على بعض، ولا يتباغضوا ويتحاسدوا، وكذلك كان علماء السلف في علاقاتهم بتلاميذهم.
يقول أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري: والله، لو لم يأتوني لأتيتهم في بيوتهم، يعني: أصحاب الحديث (1) .
وقال الربيع بن سليمان: قال لي الشافعي: يا ربيع، لو قدرت أن أطعمك العلم لأطعمك إياه (2) .
وقال الربيع: كان الشافعي - رحمه الله - يملي علينا في صحن المسجد، فلحقته الشمس، فمرّ بعض إخوانه، فقال: يا أبا عبد الله، في الشمس؟! فأنشأ الشافعي يقول (2) :
أهين لهم نفسي لأكرمهم بها ÷ ولن تكرم النفس التي لا تهينا!
ومن دلائل هذا الرفق أن يتبنى روح التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير. وهذا ما أوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعثه من أصحابه معلّمين وهداة وقضاة، مثل: معاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، حيث قال لهما - وقد بعثهما إلى اليمن: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا» (4)
قال الحافظ في الفتح في شرحه لهذا الحديث:
وفي الحديث: الأمر بالتيسير في الأمور، والرفق بالرعية، وتحبيب الإيمان إليهم، وترك الشدة لئلا تنفر قلوبهم، ولا سيما فيمن كان قريب العهد بالإسلام، أو قارب حد التكليف من الأطفال، ليتمكن الإيمان من قلبه، ويتمرن عليه، وكذلك الإنسان في تدريب نفسه على العمل إذا صدقت إرادته لا يشدد
(1) (2) (3) روى هذه الآثار ابن عبد البر في كتاب العلم جـ 1 ص 142.
(4) متفق عليه.