فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 161

عليها، بل يأخذها بالتدريج والتيسير، حتى إذا أنست بحالة داومت عليها، نقلها لحال آخر وزاد عليها أكثر من الأولى، حتى يصل إلى قدر احتمالها ولا يكلفها بما لعلها تعجز عنه ... (1) .

وفي حديث آخر: «عَلِّمُوْا وَيَسِّرُوْا وَلَا تُعَسِّرُوْا، وَبَشِّرُوْا وَلَا تُنَفِّرُوْا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (2) .

وفي آخر: «عَلِّمُوْا وَلَا تُعَنِّفُوْا، فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَنِّفَ» (3) .

وذلك أن الله يريد بعياده اليسر ولا يريد بهم العسر، وهو يحب الرفق في الأمر كله، ويجزي على الرفق ما لا يجزي على العنف، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، ولا دخل العنف في شيء إلا شانه. وأحق الأشياء بالرفق: التعليم. فعلى العلماء - كما قال الماوردي: ألا يعنفوا متعلما، ولا يحقروا ناشئا، ولا يستصغروا مبتدئا، فإن ذلك أدعى إليهم، وأعطف عليهم، وأحب على الرغبة فيما لديهم (4) .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أرفق الناس بالمتعلمين، وأبعدهم عن التشديد والتعسير، والفظاظة، والغلظة، وهذا ما نوّه به القرآن من أخلاقه - صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] .

وكان الرجل يأتي من البادية، ويخاطبه باسمه مجردا، ويناديه من بُعد، ويكلمه بجفوة، وأحيانا يستوقفه في الطريق، فيسع هذا كله، لحلمه، وحسن خلقه، ويجيبه عما سأل، وأكثر مما سأل، وقد يهم أصحابه به، أو يثورون في وجهه فيهدئ من ثورتهم، ويسكن من غضبهم.

(1) فتح الباري جـ 16 ص 286 ط الحلبي.

(2) رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد من حديث ابن عباس، ورمز السيوطي لصحته، واعترض المناوي بأن فيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، ولم يخرج له مسلم إلا مقرونا بغيره - الفيض جـ 4 ص 328 حديث 5480.

(3) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، ابن عدي، والبيهقي في الشعب، وفيه راو منكر الحديث، لكن الزركشي جعل من شواهده حديث أبي موسى: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا»

(4) فيض القدير جـ 4 ص 328.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت