يقول علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! (1) .
ويقول ابن مسعود: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة (2) .
وليس هذا من كتمان العلم، بل من حسن إنفاقه في محله، وإعطائه لمن هو أهله، ولكل مقام مقال، ولكل علم رجال. ومن الحكم المأثورة: لا تعطوا الحكمة لغير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
وقد ذكر الغزالي في"إحيائه": أن من وظائف المعلّم: أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما يبلغه عقله فينفره، أو يخبط عليه عقله، اقتداء بسيد البشر - صلى الله عليه وسلم - ولا يبثّ إليه الحقيقة إلا إذا علم أنه يستقل بفهمها. وقد قال علي رضي الله عنه وأشار إلى صدره: إن هنا لعلوما جمة لو وُجدت لها حملة!
فلا ينبغي أن يفشي العالم كل ما يعلم إلى كل أحد. وهذا إذا كان يفهمه المتعلم، ولم يكن أهلا للانتفاع به، فكيف فيما لا يفهمه؟
ولذلك قيل: كِلْ لكل عبد بمعيار عقله، وَزِنْ له بميزان فهمه حتى تسلم منه، وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار.
وقد قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} [] تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى. وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق (3) .
ويقول الغزالي أيضا: إن المتعلم القاصر ينيغي أن يُلقى إليه الجلي اللائق به، ولا يذكر له: إن وراء هذا تدقيقا، وهو يدخره عنه، فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي ويشوش عليه قلبه ويوهم إليه البخل به عنه، إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق! ... بل لا ينبغي أن يخاض مع العوام في حقائق العلوم الدقيقة، بل يقتصر معهم على على تعليم العبادات، وتعليم الأمانة في الصناعات التي هم بصددها، ويملأ قلوبهم من الرغبة والرهبة في الجنة والنار، لما نطق به
(1) رواه البخاري في الصحيح - كتاب العلم - باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهة ألا يفهموا.
(2) رواه مسلم.
(3) الإحياء جـ 1 ص 57 - 58.