ففي حدث كحدث الهجرة إلى المدينة والاختفاء إلى غار حراء، نراه - عليه الصلاة والسلام - يكلف عددا من الأشخاص بعدد من المهمات المتنوعة، كلٌّ فيما يناسبه، فأبو بكر كلف رفقته بعد تكليفه إعداد الرواحل، وعلي كلف المبيت في مكانه - صلى الله عليه وسلم - احتمالا لأي خطر، وأسماء بنت أبي بكر كلفت ما يليق بها من حمل الطعام والأخبار إلى رفيقي الغار، وعبد الله بن أبي بكر، وعامر بن فهيرة كلٌّ منهما له دوره. وهكذا نجده - صلى الله عليه وسلم - يولي خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص على بعض السرايا الحربية، على حين كلف حسان بن ثابت بأن يدافع عنه - أمام هجاء الشعراء من قريش - بسلاح الشعر الذي هو أشد عليهم من وقع الحسام في غبش الظلام، ولم يجب أبا ذر إلى طلبه حين سأله أن يوليه، لما يعرف من صرامته وحِدّة طبعه.
وفي البند الخامس: نجده - صلى الله عليه وسلم - يقبل من بعض الأعراب الاقتصار على أداء الفرائض، حتى قال له بعضهم: وَاللهِ، لَا أَزِيْدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، فقال: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» . وفي حديث: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» على حين لم يقل ذلك لغيره من أصحابه المهاجرين والأنصار.
وهذا هو موقف المربي الحق، والمعلّم المرشد من طلابه وأصحابه: أن يراعي ظروفهم، وقدراتهم العامة والخاصة، وأحوال كل فئة منهم، بل كل واحد منهم ليعالجه بما يناسبه، فلا يكلم الصغير بما يكلم به الكبير، ولا يخاطب الفتاة بما يخاطب به الفتى، ولا يعطي العوام ما يعطيه للخواص، ولا يكلف الذكي ما يكلفه الغبي، ولا يأمر البدوي بما يأمر به الحضري، بل يعطي لكل متعلم على قدره وقدرته.
ومن العجر، بل الإثم، أن يبثّ المعلّم كل ما عنده لكل من يجده دون تمييز بين مَن يفهم ومَن لا يفهم، وبين من ينتفع بما يسمع ومن يتضرر به.
وفي الحديث: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (1) .
وهذا ما حذر منه علماء الصحابة رضوان الله عليهم.
(1) رواه مسلم في مقدمة الصحيح من حديث أبي هريرة.