فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 161

يَدْعُوْ إِلَيْهِ» ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ .. } [الأنعام: 153] .

فترى في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يفسر لأصحابه الوصية الأخيرة من الوصايا العشر في سورة الأنعام، ولكنه لم يقتصر على تفسيرها بالكلام المجرد، بل استعمل لذلك ما هو ميسور له، وهو الرمل، يخط عليه بيده بدل اللوح، وهو هنا يرسم صراط الله المذكور في الآية الكريمة في صورة خط مستقيم، ولهذا قال: هذا سبيل الله مستقيما، ويرسم السبل الأخرى التي حذرت الآية من اتباعها في صورة خطوط متعرجة عن يمين الخط الأوسط المستقيم وشماله، ثم يشير إليها قائلا: «هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيْلٌ إِلَا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُوْ إِلَيْهِ» ، ثم يختم هذا التوضيح العملي بقراءة الآية الكريمة، فتقع أعظم موقع في نفس السامع المشاهد وعقله. فهنا، اشتراك البصر مع السمع في استيعاب معنى الآية، وفهم مراد الله تعالى منها.

وعن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرّ بالسوق، والناس كنفتيه (أي: عن جانبيه) ، فمرّ بجديٍ أَسَكَّ (أي: صغير الأذن) ميت، فتناوله بأذنه، ثم قال: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟» فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أَتُحِبُّوْنَ أَنَّهُ لَكُمْ؟» قالوا: والله، لو كان حيا، لكان عيبا فيه، لأنه أَسَكّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: «فَوَاللهِ! للَدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ» (1) .

فانظر يا أخي القارئ، كيف بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - المفهوم الذي أراد إيصاله إلى أصحابه مستخدما هذه الوسيلة العجيبة من الوسائل المعينة. إنها وسيلة لم يشترها، ولم يصنعها، ولم يتكلف أو يفتعل في الاستعانة بها، إنها وسيلة يراها الناس، ويمرون بها كثيرا، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم أراد أن يتخذ منها أداة لتوضيح قيمة الدنيا التي يتهافت الناس، بل يقتتلون عليها. إن هذا الدرس في تفاهة الدنيا عند الله - بجوار الآخرة - لا يمكن أن يُمْحَى من الذهن أو

(1) رواه مسلم - ترغيب 2644.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت