فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 161

الجمع والعيدين ونحوها، فهذا ما يقتضيه المقام.

ولكنه مع هذا لا يدعها تمرّ خطبة إلقائية بحتة، بل يطعمها بعناصر تعليمية خاصة تشد الأبصار، وتجذب الانتباه وتدعو إلى التركيز.

وحسبنا أن نذكر هنا أشهر خطبه - صلى الله عليه وسلم - وهي خطبة حجة الوداع التي ألقاها في أكبر جمع حاشد عرفته جزيرة العرب في تلك العصور في يوم النحر بمنى.

فحين أراد أن يبيّن لهم حرمة الدماء، والأعراض، والأموال لم يسق هذا المبدأ الخطير مساقا تقريريا إلقائيا كما يفعل كثير من الخطباء في خطبهم، والزعماء في بياناتهم.

وإنما بدأهم بالسؤال الذي يحرك الشوق ويثير الانتباه.

يروي أبو بكرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قعد على بعيره، وأمسك بخطام البعير، ثم قال: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فسكتنا، حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. فقال: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قلنا: بلى، قال: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قلنا: فسكتنا، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟» قلنا: بلى، ثم سألهم عن البلد أيضا، سكتوا، ثم بيّن لهم أنه البلد الحرام، ثم قال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيْ شَهْرِكُمْ هَذَا فِيْ بَلَدِكُمْ هَذَا» (1) .

قال القرطبي في شرح مسلم: سؤاله - صلى الله عليه وسلم - عن الثلاثة، وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه، ولذلك قال بعد هذا: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ ... إلخ» مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء (2) ، ومناط التشبيه في قوله: « .. كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا .. » وما بعده ظهوره عند السامعين، لأن اليوم والشهر والبلد كان ثابتا في نفوسهم، مقرًّا عندهم، بخلاف الدماء، والأموال، والأعراض، وكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فبيّن لهم أن تحريم دم المسلم، وماله، وعرضه، أعظم من تحريم تحريم البلد والشهر واليوم (3) .

(1) الحديث مشهور رواه الشيخان وغيرهما، ورواه البخاري في أكثر من موضع من صحيحه، انظر الفتح جـ 1 ص 168.

(2) (3) الفتح 1 ص 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت