والمقصود هنا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يسرد خطبته سردا، ولم يلقِ بيانَه إلقاء رتيبا يثير الملل، ويبعث على النوم، بل حرّك بأسئلته العقول، وأشرك المخاطبين معه، فاشْرَأَبَت إليه الأعناق، ورنّت له الأبصار، وأنصتت له الآذان، وفي ختام خطبته يشهدهم على أدائه الأمانة، وتبليغه الرسالة، بنفس هذا الأسلوب: «أَلَا، هَلْ بَلَّغْتُ؟» فتجاوبت معه الأصوات من كل جانب أن نعم، قال: «اَللَّهُمَّ فَاشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغْ اَلشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ» .
ومن الأساليب الناجحة في التأثير والإقناع: التشبيه وضرب الأمثال، بحيث يظهر المعقول في صورة المحسوس، والغامض البعيد في صورة الواضح القريب.
والدارس للسنة يجدها حافلة بالعديد من التشبيهات، والأمثال التي تمثل ذروة البلاغة البشرية، وقمة الروعة الأدبية. والرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا يقتدي بالقرآن الكريم في تشبيهاته وأمثاله.
وفي"الجامع الصغير"للسيوطي فقط نجد (42) اثنين وأربعين مثلا، وكل واحد منها وكأنما هو معلم يشرح ويوضح ويقرب.
يكفي أن أذكر نماذج قليلة منها:
«مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ مَثَلُ الْفَتِيلَةِ تُضِيءُ لِلنَّاسِ وَتحْرِقُ نَفْسَهَا» (1)
«مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّحْلَةِ إِنْ أَكَلَتْ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَإِنْ وَضَعَتْ وَضَعَتْ طَيِّبًا وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عُودٍ نَخِرٍ لمْ تَكْسِرْهُ» (2)
«مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هذِهِ مَرَّةً لاَ تَدْرِي أَيَّهُمَا تَتَّبِعُ» (3) .
«مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْفَرَاشُ وَالجَنَادِبُ يَقَعْنَ
(1) رواه أحمد، والبيهقي عن عبد الله بن عمرو. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير أبي سبرة، وقد وثق. الفيض جـ 5 ص 514.
(2) رواه الطبراني والبزار عن أبي برزة وهو ضعيف، رواه الطبراني عن جندب بإسناد حسن، كما قال المنذري - الفيض جـ 5 ص 510.
(3) رواه أحمد ومسلم عن ابن عمر - الفيض جـ 5 ص 515.