فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 161

ذكر الإمام البخاري في صحيحه بابا بعنوان: باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، وأخرج فيه حديث عبد الله بن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرَةِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا (أي: لَا فِي الشِّتَاءِ وَلَا الصَّيْفِ) ، وإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُوْنِيْ: مَا هِيَ؟» قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِيْ شَجَرِ الْبَوَادِيْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَقَعَ فِيْ نَفسِيْ أَنَّهَا اَلنَّخْلَةُ. ثُمَّ قَالُوْا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ اَلنَّخْلَةُ» (1) .

فها هو - عليه الصلاة والسلام - لم يلق عليهم هذه الحقيقة إلقاء تقريريا: أن المسلم مثل النخلة، بل أراد أن يستثير دفائن ما عندهم ويلفتهم إلى ملاحظة ما حولهم، ويشركهم معه في البحث. وبهذا لا يصبح المتعلم مجرد جهاز تسجيل ينفعل ولا يفعل، ويتلقى ولا يفكر، بل هو كائن حي عاقل يبحث ويفكر ويحاور ويناقش ويخطئ ويصيب.

وذكر ابن كثير في تفسيره حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيمَانًا؟ قَالُوا الْمَلَائِكَةُ قَالَ «وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» ؟ قَالُوا فَالنَّبِيُّونَ قَالَ «وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ؟ قَالُوا: فَنَحْنُ قَالَ: «وَمَا لَكَمَ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا إِنَّ أَعْجَبَ الْخَلْقِ إِلَيَّ إِيمَانًا لَقَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَجِدُونَ صُحُفًا فِيهَا كِتَابٌ يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا» (2) .

فلم يذكر لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يريد بيانه لهم إلا بعد هذا الحوار الممتع، وطرح السؤال، ومناقشة الأجوبة، حتى إذا تشوقت النفوس إلى معرفة الحقيقة، جاءت على لسانه - صلى الله عليه وسلم - ناصعة جلية.

ومما كان يستخدمه - صلى الله عليه وسلم - للتشويق وإثارة الانتباه: أن يسألهم عن معاني

(1) انظر البخاري مع الفتح جـ 1 ص 156.

(2) عزاه ابن كثير إلى الحسن بن عرفة. ونقل عن أبي حاتم الرازي أن المغيرة بن قيس أحد رواته منكر الحديث، ولكن ذكر له شاهدا عن عمر مرفوعا عند أبي يعلى، وابن مردوية، والحاكم، وصححه، مع أن فيه راويا ضعيفا، وروى نحوه عن أنس بن مالك مرفوعا. تفسير ابن كثير جـ 1 ص 42 ط الحلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت