فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 161

بعض الألفاظ المعروفة معانيها عندهم، فيجيبوه بما يعرفونه من معانيها المشتهرة بينهم. فإذا فعلوا، بادر إلى تفسيرها لهم بإعطائها المدلول الجديد الذي يريده، وهو في الغالب مدلول مجازي قد لا يلتفتون إليه، ولكنه عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يفهم من اللفظ.

وذلك كقوله لأصحابه يوما: «مَا تَعُدُّوْنَ الصُّرْعَةَ فِيْكُمْ؟» قالوا: الذي تصرعه الرجال. قال: «لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الَّذِيْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (1) .

ومثل ذلك قوله: «أَتَدْرُوْنَ مَنِ الْمُفْلِسِ؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «اَلْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِيْ مَنْ يَأَتِيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ .. وَيَأَتِيْ قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (2) .

ونحو هذا أن يلقي إليهم عبارة يستنكر ظاهرها ليسألوا عن المراد منها، فيأتي الجواب مصححا المفهوم الخاطئ لها، فيتمكن المعنى من النفس فضل تمكن.

وفي هذا جاء الحديث الصحيح المشهور: «اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُوْمًا» . وكانت هذه كلمة متداولة في الجاهلية العربية أشبه بالمثل السائر، دلالة على الانتصار للمعصية، ودفاع كل امرئ عن قومه، على حق كانوا أو على باطل. ولأجل هذا حين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الكلمة وقفوا منها موقف الدهشة والاستغراب، فالإسلام قد جاء بالعدل المطلق، ولو على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوْا} [] ، وبرئ من العصبية بكل ألوانها، فكيف يقر الرسول الذي جاء بالهدى ودين الحق، هذه الكلمة الجاهلية؟ ولا عجب أن بادر الصحابة - رضي الله عنهم - بالسؤال والاستفهام قائلين: يا رسول الله، ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟!

(1) أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود.

(2) رواه مسلم والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة - ترغيب 4112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت