فقال - صلى الله عليه وسلم: «تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نَصْرٌ لِهُ» (1) .
فهذا تعديل أساسي في مفهوم النصرة للأخ والقريب، فإن إعانته على الظلم، وتأييده في الباطل، معناه: جرّه في الدنيا إلى الكوارث وفي الآخرة إلى النار، أما منعه من الظلم فهو إبعاد له عن الشيطان، وتقريب له من الرحمن، وزحزحة له عن النار، وإدناء له من الجنة. ولهذا كان هذا هو النصر الحقيقي له.
ولكن هذا المعنى الكبير لو ألقي إليهم تقريرا ما استثار اليقظة الفكرية التي واجه بها الصحابة الكلمة المشهورة، وجعلتهم يعجبون من ظاهرها، وينكرونه، ويسألونه عن المراد حتى يفهموا ويقتنعوا.
ويدخل في هذا الباب بعض العبارات التي كان يلقيها الرسول المعلم بصورة تشد الانتباه شدا كمثل قوله يوما عند أصحابه: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ! وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ! وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ!» هكذا بصيغة القسم، وبالتكرار الذي يفيد التأكيد أيضا بضمير الغائب الذي لا يعود على مذكور أو أحد معروف. فالفعل المنفي حتما لا يعرف من فاعله. ولهذا قالت الصحابة حين سمعت هذه الجملة العجيبة المكررة: يا رسول الله، لقد خاب وخسر! من هذا؟ فقال - عليه صلوات الله وسلامه: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (2) . حين تذكر جملة تقريرية خبرية كالمعتاد، وبين تأثيرها حين ذكرت بالصورة التي ذكرها النبي - عليه الصلاة والسلام -.
والمهم بعد ذلك كله: أن يكون المعلّم مؤمنا بمهمته، محبا لرسالة العلم، راغبا في الارتقاء بتلاميذه، شاعرا بأبوته لهم وبنوتهم له، حريصا على أن يبلغ ما في نفوسهم، وأن يبلغهم ما في نفسه، متفننا في بيان ذلك بكل طريقة ميسورة، ولو بالكلمة، بشرط أن تكون مبينة مشرقة.
(1) رواه البخاري.
(2) نسبه المنذري في الترغيب إلى البخاري من حديث أبي شريح الكلبي، واستدرك عليه الحافظ في الفتح أن الحديث في البخاري بغير هذه الصيغة، فليراجع. وقد رواه أحمد في المسند في موضعين، وليس فيه: «لَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ»