وكذلك كان - صلى الله عليه وسلم - حريصا على أن يبين عما في نفسه أبلغ الإبانة، وأن يُفهم عنه ما يريد، ولا يدع سامعه حتى يفهم عنه.
أعان على ذلك أسلوبه البليغ في القول الذي بلغ قمة البيان البشري، في إصابة المعنى وحسن التعبير، وموافقة المقال للمقام. كما أعانه طريقته الحسنة في الأداء التي تختلف من شخص لآخر، ومن ظرف إلى ظرف.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلاما فاصلا يفهمه كل من يسمعه (1) .
وعن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه (2) .
وكان أصحابه الذين تلقوا عنه، واقتبسوا من مشكاته، يسيرون على هديه في تعليم الخلق، وهدايتهم إلى الحق، الافتنان في الأساليب التي تعينهم على الوفاء بما يقصدون، من إنارة الألباب، وتزكية الأنفس.
وأكتفي بهذه الصورة الحية من صور التعليم الذكي أبدعها فكر الصحابي المفتر عليه أبي هريرة - رضي الله عنه -.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه مرّ بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق، ما أعجزكم؟ قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم وأنتم ههنا؟ ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا: وأين هو يا أبا هريرة؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعا، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقالوا لهم: ما لكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة، قد أتينا المسجد، فدخلنا فيه، فلم نَرَ فيه شيئا يقسم! فقال لهم: وما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا: بلى، رأينا قوما يصلون، وقوما يقرؤون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام ... فقال لهم: ويحكم! فذاك ميراث محمد - صلى الله عليه وسلم - (3) .
فأكرم بمدرسة خرجت مثل هؤلاء العلماء المعلمين!
(1) رواه أبو داود 4839.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه الطبراني بإسناد حسن - ترغيب حديث 138، وكذا قال الهيثممي في مجمع الزوائد، إلا أن العراقي في تخريج الإحياء قال: في إسناده جهالة وانقطاع.