وعن أبي العالية قال: كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم (1) .
وهكذا كانت سنة العلماء بعدهم: الاجتهاد في حذف الوسائط أو تقليلها، والعلو بالإسناد، لأخذ العلم من مصدره الأول أو أقرب المصادر إليه، ما استطاعوا.
وقد ذكرنا في حديثنا عن التعلم نماذج من رحلة علماء المسلمين في طلب العلم ومعاناتهم في تحقيقه ما أصبح مضرب الأمثال.
2 -أصبحت مساجد المسلمين حيثما وجدت دورا للعلم، ومدارس للتعليم، فما من مسجد أنشئ إلا أصبحت فيه حلقة أو أكثر، يجلس فيها طلبة العلم إلى شيوخهم في علوم الدين، أو اللغة، أو الأدب، أو التاريخ، أو الإنسانية، أو غير ذلك مما يهم الناس في دينهم أو دنياهم.
وهكذا كانت المساجد أو الجوامع الإسلامية"جامعات شعبية"مفتوحة الأبواب صباحا ومساء، وصيفا وشتاء، لكل راغب في الاستفادة من مجالسها وحلقاتها، كبيرا وصغيرا رجلا أو امرأة، حرا أو عبدا، أبيض أو أسود، غنيا أو فقيرا، ليس لهذه الجامعة رسوم ولا نفقات ولا قيود، إلا الرغبة في العلم، والإصرار على التعليم والاستمرار فيه.
وقد تطورت هذه الجامعات الشعبية فيما بعد إلى جامعات علمية، لها أساتذتها وطلابها ورؤساؤها وأوقافها ونظامها، كما في جامعة القرويين في فاس بالمغرب، وجامعة أو جامع الزيتونة في تونس، وجامعة أو جامع الأزهر في مصر. وتعدّ هذه أقدم الجامعات في العالم كله. وقد ظلت هذه الجامعة محتفظة بخصيصتها الإسلامية: إنها لكل الناس، ليست محتكرة لجنس، ولا للون، ولا للطبقة، فلم يحرم منها المولى ولا الفقراء ولا المكفوفون، ونحوهم من الفئات الضعيفة بالمجتمع.
(1) انظر فتح الباري جـ 1 ص 202 ط الحلبي.