فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 161

الغزالي - أن يعلم أن الآخرة خير من الدنيا. وهذه المعرفة إذا صدقت وغلبت عليه برئ بها من النفاق والرياء (1) .

يؤيد ذلك ما رواه زيد بن أسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع رجلا إلى رجل يعلمه، فعلمه حتى بلغ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ... } [] ، فقال الرجل: حسبي، فقال الرجل (أي: المعلم) : يا رسول الله، أرأيت الرجل الذي أمرتني أن أعلمه، لما بلغ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ... } فقال: حسبي؟

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُ، فَقَدْ فَقِهَ» (2) .

والسياق يدل على أن المعنى: قد استنار قلبه بنور الإيمان، والخشية من الله، يدل لذلك ما رواه المطلب بن عبد الله بن حنطب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في مجلس - ومعه أعرابي جالس - {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} فقال الأعرابي: يا رسول الله، أمثقال ذرة؟ قال: نعم، فقال الأعرابي: واسوأتاه! ثم قام وهو يقولها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ دَخَلَ قَلْبَ الْأَعْرَابِيُّ اَلْإِيْمَانُ» (3) .

فكلمة النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا: «لَقَدْ دَخَلَ قَلْبَ الْأَعْرَابِيُّ اَلْإِيْمَانُ» في معنى قوله في الحديث السابق: «فَقَدْ فَقِهَ» .

وبهذا يتبين أن العلم شرط ضروري للعمل، لكي يصح ويستقيم على أمر الله، سواء كان هذا العمل عبادة لله، أم معاملة للناس.

روى سفيان بن عيينة عنعمر بن عبد العزيز، قال: من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح (4) .

وفي حديث معاذ بن جبل السابق في فضل العلم قال: وهو إمام العمل، والعمل تابعه.

فلا تستقيم عبادة يجهل صاحبها ما يجب لها من شروط، وما تقوم عليه من أركان.

(1) الإحياء جـ 1 ص 5.

(2) أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، كما ورد في الدر المنثور جـ 6/ 381 و 382.

(3) أخرجه سعيد بن منصور، كما في الدر جـ 6/ 381.

(4) جامع بيان العلم لابن عبد البر جـ 1/ 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت