فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 161

ورأيت فتيانا ملتزمين متعبدين يعاملون آباءهم بقسوة، وأمهاتهم بغلظة، وأخواتهم بعنف، وحجتهم أنهم عصاة أو منحرفون عن الدين، ناسين أن الله تعالى أوصى بالوالدين حسنا، وإن كانا مشركين يجاهدان ولدهما على الشرك، ويحاولان بكل جهدهما فتنته عن إسلامه.

يقول تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] .

فرغم المحاولة المصرة من الأبوين التي سماها القرآن مجاهدة على الشرك، أمر بمصاحبتهما بالمعروف، لأن للوالدين حقا لا يفوقه إلا حق الله عز وجل، ولهذا قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان:14] .

أما الطاعة لهما في الشرك فهي مرفوضة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأما المصاحبة بالمعروف فلا مناص منها، ولا عذر في التخلي عنها.

ورأينا أناسا مخلصين، يشرعون في الدين ما لم يأذن به الله، يحرمون ما لم يحرمه الله ورسوله، ويأمرون بما لم يأمر به الله ورسوله، ويتعبدون الله بغير ما شرع، بل بالأهواء والبدع.

شفيعهم لذلك لذلك - فيما زعموا - حُسْن نيتهم، وصفاء طويتهم، وصدق أنفسهم في التقرب إلى الله تعالى.

وهذا فهم خاطئ لمعنى العمل الصالح المقبول عند الله تبارك وتعالى.

فلا يكفي في حسن العمل الصالح حسن النية، وحرارة الإخلاص، حتى يكون العمل مأذونا به، ممهورا بخاتم الشرع.

ولله در العالم الزاهد الورع - الفضيل بن عياض - الذي عبر عن هذا المعنى بعبارات جامعة ناصعة، حين سئل عن «أَحْسَن العمل» في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] ، قال: أحسن العمل: أخلصه وأصوبه.

قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه؟ وما أصوبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت