صاحبها، فالمصلي والصائم، والحاج والمعتمر، والذاكر والمسبح، يزيد عملهم من حسناتهم، ويرفع من درجاتهم .. ولكن المجتمع من ورائهم لا ينال من جراء عبادتهم شيئا مباشرا، يحقق لهم منفعة، أو يدفع عنهم مضرة.
أما العلم فنفعه متعَدٍّ .. لا يقتصر على صاحبه، بل يتجاوزه إلى غيره من الناس من كل من يسمعه، أو يقرؤه، وقد يكون بينه وبينهم جبال ووهاد، أو بحار وقفار.
فالعلم لا يعرف القيود، ولا يعترف بالحواجز والسدود، وخاصة في عصرنا الذي ينشر فيه العلم المسموع بالإذاعة، والمرئي بالتلفاز، في ثوان معدودة، بل في نفس اللحظة، إلى المستعمين والمشاهدين في مساحات شاسعة، وينشر العلم المكتوب بوساطة الطباعة الحديثة إلى آفاق المعمورة في أيام بل ساعات معدودادت.
ولا عجب أن روى أبو أمامة - رضي الله عنه - قال: ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - رجلان؛ أحدهما: عالم، والآخر: عابد، فقال عليه الصلاة والسلام: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِيْ عَلَى أَدْنَاكُمْ» (1) .
وروى عنه حذيفة بن اليمان: «فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ» (2) .
وقد تقدم حديث أبي الدرداء: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ» (3) .
ومن فضل العلم على العبادة: أنه لا ينقطع بانقطاع الحياة، ولا يموت بموت أصحابه.
فمن صلى، أو صام، أو زكى، أو حج، أو اعتمر، أو سبح وهلل وكبر، فإن هذه الأعمال لها مثوبتها الجزيلة عند الله تعالى، ولكنها تنتهي بانتهاء أدائها والفراغ منها.
(1) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، كما في الترغيب حديث 130.
(2) رواه الطبراني في «الأوسط» ، والبزار بإسناد حسن / الترغيب 103. وقال في «مجمع الزوائد» جـ 1/ 120: فيه عبد الله بن عبد القدوس، وثقه البخاري وابن حبان، وضعفه ابن معين.
(3) انظر نص الحديث المراد في صفحة 9 من هذا الكتاب، وانظر تخريجه في صفحة 10 من هذا الكتاب