أما العلم فإن أثره يظل باقيا ممتدا، ما دام في الناس من ينتفعبه، مهما تطاولت السنون، وتعاقبت القرون.
فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ اِنْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُوْ لَهُ» (1) .
وقال أيضا: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لاِبْنِ السَّبِيْلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِيْ صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ» (2) .
وبهذا يعيش العالم عمرا طويلا بعد عمره المحدود، وبخاصة من كتب وصنف، فإن عمر المكتوب أطول، وأثره أبقى.
ألا ترى أننا اليوم ننتفع بتراث علمائنا السابقين، وندعو لهم، ونترحم عليهم، وبيننا وبينهم أزمان وقرون تندق فيها أعناق المطي.
قال يحيى بن أكثم: قال الرشيد يوما: ما أنبل المراتب؟
قلت: يا أمير المؤمنين، ما أنت فيه. قال: فتعرف من هو خير مني؟ قلت: لا، قال: لكني أعرفه، رجل يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أهذا خير منك وأنت ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولي عهد المؤمنين؟
قال: نعم، ويلك! هذا خير مني، لأن اسمه مقترن باسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يموت أبدا، ونحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر (3) .
وما أبلغ ما قال الإمام علي - رضي الله عنه - لكميل بن زياد: العلم
(1) رواه مسلم وغيره.
(2) رواه ابن ماجه بإسناد حسن، والبيهقي، ورواه ابن خزيمة في صحيحه مثله إلا أنه قال: «أَوْ نَهْرٌ ... » يعني: حفره، ولم يذكر المصحف. الترغيب 123.
(3) ذكره ابن القيم في «مفتاح دار السعادة» جـ1/ 165، ط دار الكتب لبنان.