يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعودأحد أوعية العلم، ومصابيح الهدى: والذي نفسي بيده، لَيَوَدَّنَّ رجال قتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله علماء، لما يرون من كرامتهم (1) أي: من كرامة العلماء.
ويقول الفقيه الداعية المربي الحسن البصري: يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء.
ذلك:
-أن الجهاد لا يعرف فضله إلا بالعلم.
-ولا تتضح شروطه وحدوده إلا بالعلم.
-ولا يتبين الجهاد المشروع من القتال غير المشروع إلا بالعلم.
-ولا يتميز النفل فيه عن الفرض إلا بالعلم.
-ولا يعرف فرض الكفاية فيه من فرض العين إلا بالعلم.
وكم رد النبي - صلى الله عليه وسلم - من مسلمجاءه يجاهد معه، لأنه رأى أنه ترك واجبا يخصه ألزم من الجهاد، فعن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قال نعم، قال: «فِفِيْهِمَا فَجَاهِدْ» (2) .
وفي رواية: أن الرجل قال: يا رسول الله، جئت أريد الجهاد معك، ولقد أتيت وإن والدي يبكيان. قال: «فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتُمَا» (3) .
وعن أبي سعيد: أن رجلا هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليمن، فقال: «هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنْ؟» فقال: أَبَوَايَ، فَقَالَ: «أَذِنَا لَكَ؟» فقال: لا، قال: «اِرْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا» (4) .
وفي حديث آخر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لمن جاء يستشيره في الغزو معه: هل
(1) «مفتاح دار السعادة» ص 121.
(2) قال في «المنتقى» : رواه البخاري، والنسائي، وأبو داود، والترمذي، وصححه.
(3) قال في «المنتقى» : رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. وقال في «النيل» : أخرجها أيضا النسائي وابن حبان، وأخرجها أيضا مسلم وسعيد بن منصور من وجه آخر في نحو هذه القصة. قال: «اِرْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ، فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا» ، «نيل الأوطار» جـ 8/ 37، 38، و «الترغيب» جـ 7 حديث 2584.
(4) رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، كما في «نيل الأوطار» السابق.