لك من أم؟ قال: نعم، فقال: «اِلْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْهَا» (1) .
وبهذه الأحاديث استدل العلماء على وجوب استئذان الأبوين في الجهاد، وبذلك قال الجمهور، وجزموا بتحريم الجهاد إذا منع عنه الأبوان أو أحدهما، لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا صار الجهاد فرض عين فلا إذن، لأن تركه معصية، ولا طاعة لبشر في معصية الله تعالى.
وهذا بشرط أن يكون الأبوان مسلمين، لأن الكافرين لا يرضيان يوما بالجهاد لنصرة الإسلام وخذلان دينهما.
وكل هذه الحدود والفوارق الدقيقة إنما تعرف بالعلم، فمن أعرض عن العلم، واشتغل بالجهاد، كان حريا أن يقع في الخطأ، أو ينحرف عن سواء الصراط وهو لا يدري.
وكم من أناس في الماضي حملوا سيوفهم على عواتقهم يقاتلون من عصم الله دماءهم وأموالهم يزعمون أنهم بذلك يجاهدون، فيقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان! أولئك هم الخوارج الذي صح الحديث في ذمهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد بن حنبل، وأيده ابن تيمية.
وما ذلك إلا لأنهم تعبدوا قبل أن يتعلموا، وجاهدوا قبل أن يتفقهوا، وتعجلوا العمل قبل العلم، فضل سعيهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وكم من شباب في زمننا دفعهم الحماس الكثير في صدورهم، مع العلم القليل في رؤوسهم، والإعجاب المزهو برأيهم، إلى رفض أمتهم، وتكفير جماهيرها، واعتبار أوطانها ديار كفر لا دار إسلام، فاستحلوا بذلك ما حرم الله، وأسقطوا ما أوجب الله، اتباعا لمتشابه النصوص، وابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله.
ولو تعلموا وفقهوا، وتلقوا العلم من أهله، وعرفوه من مناهله، لوقف بهم العلم عند حدودهم، وعرفهم حقيقة الجهاد، كيف يكون؟ ومتى يكون؟ ولمن يكون؟
(1) رواه النسائي، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، «الترغيب» حديث 3590.