الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة اعدائه قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلاتطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا فهذا جهاد لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين وهو جهاد المنافقين ايضا فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بل كانوامعهم في الظاهر وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم ومع هذا فقد قال تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومعلوم ان جهاد المنافقين بالحجة والقرآن والمقصود ان سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ودعوة الخلق به الى الله ولهذا قال معاذ رضى الله عنه عليكم بطلب العلم فإن تعلمه لله خشية ومدارسته عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد ولهذا قرن سبحانه بين الكتاب المنزل والحديد الناصر كما قال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب واميزان ليقوم الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ان الله قوي عزيز فذكر الكتاب والحديد إذ بهما قوام الدين كما قيل:
فما هو إلا الوحي اوحدمرهف ... تميل ظباه اخدعا كل مائل
فهذا شفاء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل
والمقصود أن كلا من الجهاد بالسيف والحجة يسمى «سبيل الله» ، وفسر الصحابة رضي الله عنهم قوله: {أَطِيْعُوْا اللهَ وَأَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] بالأمراء والعلماء، فإنهم المجاهدون في سبيل الله: هؤلاء بأيديهم، وهؤلاء بألسنتم.
فطلب العلم وتعليمه من أعظم سبيل الله عز وجل.
قال كعب الأحبار: طالب العلم كالغادي الرايح في سبيل الله عز وجل.
وجاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم: إذا جاء الموت طالب العلم، وهو على هذه الحال، مات وهو شهيد.