عليها حربا لا هوادة فيها، ولم يسمح من الرقى إلا بما فيه ذكر الله تعالى وأسمائه الحسنى، لأن هذا مجرد دعاء، وهو مشروع محمود. سادسا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله وعمله وتقريره أسوة حسنة في الهداية إلى الطب الصحيح، القائم على العلم والتجربة، لا على التهويل والادعاء.
فهو - صلى الله عليه وسلم - تداوى لنفسه وأمر بالتداوي، لأن الذي خلق الداء خلق الدواء، وأرسل طبيبا إلى أبي بن كعب، فقطع له عرقا وكواه عليه (1) ، أي أنه أجرى له عملية جراحية، وأمر آخر أن يأتي الحارث بن كلدة الطبيب العربي المشهور من ثقيف. قال ذلك لسعد بن أبي وقاص (2) .
ولم يثبت إسلام الحارث. ولهذا استدل العلماء بما ذكر على جواز الاستعانة بأهل الكفر في الطب (3) ، وإن كان الأولى أن يعالج المسلمَ مسلمٌ مثله، ولا سيما أن هناك أحكاما شرعية كجواز الفطر في رمضان ونحوه تترتب على حكم الطبيب.
وأصيب أحد الصحابة بجرح فاحتقن الدم، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين من بني إنمار، فنظرا إليه، فسألهما رسول الله: «أَيُّكُمَ أَطَبُّ؟» أي: أحذق وأمهر؟، فَقَالَا: أَوَفِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ فَقَالَ: «أَنْزَلَ الدَّوَاءَ اَلَّذِيْ أَنْزَلَ الدَّاءَ» (4) .
قال ابن القيم: في هذا الحديث إنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها، فإنه إلى الإصابة أقرب (5) .
سابعا: جاء عنه - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ عَنْهُ الطِّبُّ فَهُوَ ضَامِنٌ» (6) .
(1) رواه مسلم.
(2) رواه أبو داود.
(3) التراتيب الإدارية للكتاني جـ 1/ 457.
(4) رواه مالك في الموطأ.
(5) زاد المعاد جـ 3/ 225.
(6) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي (انظر: فيض القدير جـ 6/ 106) .