بِالْمَعْرُوْفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟! فَيَقُوْلُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوْفِ وَلَا آتِيْهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الشَّرِّ وَآتِيْهِ».
قال: وإني سمعته يقول - يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِيْ بِأَقْوَامٍ تُقْرَضُ شِفَاهُمْ بِمَقَارِيْضَ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرِيلُ؟ قَالَ: خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ اَلَّذِيْنَ يَقُوْلُوْنَ مَا لَا يَفْعَلُوْنَ» (1) .
هؤلاء الذين يُحْسنون الكلام، ولا يحسنون العمل، وينتسبون إلى العلم ولا يقومون بحقه. يكونون فتنة على الأمة، لأنهم موضع القدوة.
وهناك صنفان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا، فسد الناس؛ الأمراء والعلماء (2) . ورحم الله الشاعر الذي قال:
يا أيها العلماء يا ملح البلد ÷ ما يصلح الملحَ إذا الملحُ فسد؟!
وهذا ما كان يخافه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته، فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: حذرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ مُنَافِقِ عَلِيْمِ اللِّسَانِ (3) .
وعن عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِيْ كُلَّ مُنَافِقٍ عَلِيْمِ اللِّسَانِ» (4) .
وعن علي بن أبي طالب مرفوعا: «إِنِّيْ لَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِيْ مُؤْمِنًا وَلَا مُشْرِكًا، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَحْجُزُهُ إِيْمَانُهُ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيُقَمِّعُهُ كُفْرُهُ، وَلَكِنْ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ مُنَافِقًا عَالِمَ اللِّسَانِ، يَقُوْلُ مَا تَعْرِفُوْنَ، وَيَعْمَلُ مَا تُنْكِرُوْنَ» (5) .
وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «اَلْعِلْمُ عِلْمَانِ؛ عِلْمٌ فِي الْقَلْبِ
(1) رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
(2) روي هذا مرفوعا من حديث ابن عباس بسند ضعيف، أخرجه ابن عبد البر، وأبو نعيم في «الحلية» ، كما في تخريج «الإحياء» .
(3) قال الهيثمي في «المجمع» (1/ 187) : رواه البزار، وأحمد، وأبو يعلى، ورجاله موثقون. وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح. انظر الحديث 143، و310 من المسند.
(4) رواه الطبراني في «الكبير» ، والبزار، ورواته محتج بهم في الصحيح، كما في «الترغيب» حديث 224.
(5) قال في «الترغيب» رقم 323: رواه الطبراني في «الصغير» و «الأوسط» من رواية الحارث، وهو الأعور - وقد وثقه ابن حبان وغيره. والحارث ضعيف، ولكن يشهد له الحديثان قبله.