فذاك العلم النافع، وعلم اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم (1) .
فعلم المرء إما حجة له - وذلك إذا عمل به - وإما حجة عليه إذا أصبح مجرد حامل له. شأن اليهود الذين حُمِّلُوا التوراة كلاما، ولم يحملوها عملا والتزاما، فكانوا كما قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5] . أو كذلك الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، ولم يرتفع بها من حضيض المادية في التفكير والحيوانية في السلوك {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 176] .
ومن ثم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ بالله من العلم الذي لا ينفع، وهو العلم الذي ينفصل عن الأخلاق، لأنه يصبح وبالا على صاحبه، وقد يكون وبالا على من حوله كذلك.
فعن زيد بن أرقم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «اَللَّهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (2) .
هذا النوع من العلماء الذين تكذب أفعالهم أقوالهم، وسريرتهم علانيتهم، يمثلون فتنة لجمهور الناس، لأن الناس يتأثرون بالحال أكثر من التأثر بالمقال، حتى قيل: حال رجل في ألف رجل أبلغ من مقال ألف رجل في رجل.
ومهما حاولت أن تقول للناس: خذوا من العالم علمه، ودعوا عمله، أو كما قال الشاعر:
اعمل بعلمي وإن قصرت في عملي ÷ ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري!
فإن الناس لن يسمعوا لك.
وفي هذا روي عن الإمام علي - رضي الله عنه - قوله: «قَصَمَ ظَهْرِيْ رَجُلَانِ؛ جَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ، وَعَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ، ذَاكَ يَغُرُّهُمْ بِتَنَسُّكِهِ، وَهَذَا يُضِلُّهُمْ بِتَهَتُّكِهِ!»
(1) قال في «الترغيب» (139) ، رواه الحافظ أبو بكر الخطيب بإسناد حسن، وابن عبد البر في كتاب العلم عن الحسن مرسلا بإسناد صحيح.
(2) رواه مسلم والترمذي والنسائي.