علم وإجابة كل سائل، فحاجة المتعلم، وأهلية العالم، وطاقته، وأهمية الموضوع، ووجود من يقوم بالأمر عداه أو عدمه، كل هذا يحدد: متى يجب الجواب، ومتى لا يجب.
وإني ألمح في الحديث أن الوعيد إنما هو لمن ألجم نفسه عن الكلام، أي: تعمد السكوت طمعا أو خوفا من الناس، بهذا يكتم الشهادة {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 140] .
وهذا ما أنكره القرآن على أهل الكتاب {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] .
على أن نوافل العلم أيضا يلزم نشرها، وتبليغها لأهلها بأي وسيلة من وسائل النشر والتبليغ شفاها أو كتابة، فالقلم أحد اللسانين، ولا سيما إذا جاء من يطلبها حرصا عليها ورغبة فيها، فلا يسع من يحملها إلا أن يؤديها كما أديت إليه، حتى يتوارث العلم ويحيا.
وهذا من فروض الكفاية.
وقد يتعين على بعض العلماء لأهليته الخاصة للإفادة.
ولهذا، كان بعض الصحابة يبلغون بعض أحاديث سمعوها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخشوا أن يفهما الناس على غير وجهها، فيخبرون بها في اللحظات الأخيرة من حياتهم تأثما، وتحرجا، أن يموتوا فتموت الحقيقة العلمية معهم.
فعن أبي أيوب الأنصاري أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوف أحدثكموه وقد أحيط بنفسي: سمعته يقول: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُوْنَ لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ وَخَلَقَ خَلْقًا يُذْنِبُوْنَ فَيَغْفِرُ اللهُ لَهُمْ» (1)
وعن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ رديفه على حمار، قال:
(1) أخرجه مسلم في التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار، حديث رقم 2748، والترمذي في كتاب الدعوات، باب رقم 105، حديث 3533، وروى مسلم نحوه من حديث أبي هريرة أيضا، رقم 2749.