فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 2941

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 131

يُعَلِّمانِ مِنْ زائدة أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا له نصحا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ بلية من اللّه للناس ليمتحنهم تعالى هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر، حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين وإظهار أمرهم على الناس، وأما ما يحكى من أن الملائكة عليهم السّلام لما رأوا ما يصعد من ذنوب بني آدم عيّروهم، وقالوا للّه سبحانه: هؤلاء الذين اخترتهم لخلافة الأرض يعصونك، فقال عز وجل: لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم لعصيتموني. قالوا: سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيك. قال تعالى: فاختاروا من خياركم ملكين، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلحهم وأعبدهم فأهبطا إلى الأرض بعد ما ركّب فيهما ما ركّب من البشر من الشهوة وغيرها من القوى ليقضيا بين الناس نهارا، ويعرجا إلى السماء مساء، وقد نهيا عن الإشراك والقتل بغير الحق وشرب الخمر والزنا وكانا يقضيان بينهم نهارا، فإذا أمسيا ذكرا اسم اللّه الأعظم فصعدا إلى السماء، فاختصمت إليهما ذات يوم امرأة من أجمل النساء تسمى زهرة وكانت من لخم، وقيل: كانت من أهل فارس ملكة في بلدها، وكانت خصومتها مع زوجها، فلما رأياها افتتنا بها فراوداها عن نفسها فأبت فألحا عليها، فقالت: لا إلا أن تقضيا لي على خصمي ففعلا ثم سألاها ما سألا، فقالت: لا إلا أن تقتلاه ففعلا، ثم سألاها ما سألا فقالت لا إلا أن تشربا الخمر وتسجدا للصنم ففعلا كل ذلك، ثم سألاها ما سألا فقالت: لا إلا أن تعلماني ما تصعدان به إلى السماء فعلماها الاسم الأعظم فدعت به وصعدت السماء فمسخها اللّه سبحانه كوكبا، فهمّا بالعروج على حسب عادتهما فلم تطعهما أجنحتهما، فعلما ما حلّ بهما، وكان ذلك في عهد إدريس عليه الصلاة والسّلام فالتجآ إليه ليشفع لهما ففعل، فخيّرهما اللّه بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختار الأول لانقطاعه عما قيل، فهما معذبان ببابل. قيل: معلقان بشعورهما وقيل منكوسان يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة، فمما لا تعويل عليه لما أن مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل اهـ أبو السعود، ومثله في الخازن.

ثم قال؛ وقيل أن رجلا من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قصدهما ليتعلم السحر منهما فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقة عيونهما مسودة جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع، وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله، فقال: لا إله إلا اللّه، فلما سمعا كلامه قالا: لا إله إلا اللّه من أنت؟ قال: أنا رجل من الناس، فقالا: من أي أمة أنت؟ قال: من أمه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قالا: أو قد بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قال: نعم، فقالا: الحمد للّه وأظهرا الاستبشار، فقال الرجل: مم استبشاركما؟ قالا: إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا اهـ.

وقول أبي السعود لما أن مداره رواية اليهود يقتضي أن هذه القصة غير صحيحة، وأنها لم تثبت بنقل معتبر، وتبع في ذلك البيضاوي التابع في ذلك الفخر الرازي والسعد التفتازاني وغيرهما ممن أطال في ردها، لكن قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: الحق كما أفاده شيخنا حافظ عصره الشهاب ابن حجر أن لها طرقا تفيد العلم بصحتها، فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد، وابن حبان، والبيهقي وغيرهم، وموقوفة على علي، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم بأسانيد صحيحة، والبيضاوي لما استبعد هذا المنقول ولم يطلع عليه قال: إنه محكي على اليهود، ولعله من رموز الأولين الخ اهـ خطيب.

قوله: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ هذه الجملة عطف على ما قبلها، والضمير في يعلمان فيه قولان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت