الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 410
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سورة الحديد مكية أو مدنية وهي تسع وعشرون آية
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي نزهه كل شيء، فاللام مزيدة، وجيء بما دون من تغليبا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (أو مدنية) قاله ابن عباس وعليه الجمهور، وقال غيره كالزمخشري إنها مكية اهـ كرخي.
وفي القرطبي: أنها مدنية في قول الجميع اهـ.
ويرد عليه ما نقل في سبب إسلام عمر بن الخطاب أنه لما قرأ هذه الآيات من أول هذه السورة إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وكانت مكتوبة في صحيفة عند أخته أسلم، فهذا يقتضي أن هذه الآيات مكية، فعلى هذا تستثنى على القول بأن السورة مدنية تأمل.
قوله: سَبَّحَ لِلَّهِ عبّر هنا وفي الحشر والصف بالماضي، وفي الجمعة والتغابن بالمضارع، وفي الأعلى بالأمر، وفي الاسراء بالمصدر استيفاء للجهات، المشهورة لهذه الكلمة، وبدأ بالمصدر في الإسراء لأنه الأصل وأبلغ من حيث إنه مشعر بإطلاقه أي بواسطة كونه مطلقا عن التعرض للفاعل والزمان، ثم بالماضي لسبق زمنه، ثم بالمضارع لشموله الحال والاستقبال، ثم بالأمر لخصوصه بالاستقبال مع تأخره في النطق به في قولهم فعل يفعل أفعل اهـ كرخي.
وفي أبي السعود: التسبيح تنزيه اللّه تعالى اعتقادا وقولا وعملا عما لا يليق بجنابه سبحانه من سبح في الأرض والماء ذهب وابعد فيهما وحيث أسندها هنا إلى غير العقلاء أيضا فإن ما في السموات والأرض يعم جميع ما فيهما سواء كان مستقرا فيهما أو جزاء منهما كما مرّ في آية الكرسي أريد به معنى عام مجازي شامل لما نطق به لسان المقال كتسبيح الملائكة والمؤمنين من الثقلين ولسان الحال كتسبيح غيرهم، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجب الوجود المتصف بالكمال المنزه عن النقصان، وهو المراد من قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44] وهو متعد بنفسه كما في قوله تعالى: وَسَبِّحُوهُ واللام إما مزيدة للتأكيد كما في نصحت له وشكرت له، أو للتعليل أي فعل التسبيح لأجل اللّه تعالى وخالصا لوجهه ومجيئه في بعض الفواتح ماضيا، وفي البعض مضارعا للايذان بتحققه في جميع الأوقات وفيه تنبيه على أن حق من شأنه