الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 170
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة مائة وعشرون أو وثنتان أو وثلاث آية
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم نزلت منصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الحديبية، ومنها ما نزل في حجة الوداع من قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] ومنها ما نزل عام الفتح من قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [المائدة: 2] ومناسبة افتتاح هذه السورة لما قبلها هي أنه تعالى لما ذكر استفتاءهم في الكلالة وأفتاهم فيها وذكر أنه يبين لهم الأحكام كراهة الضلالة، بين في هذه السورة أحكاما كثيرة هي تفصيل لذلك المجمل اهـ من أبي حيان.
قوله: (مدنية) أي نزلت بعد الهجرة وان نزل بعضها في مكة كما سيأتي، وهذا هو الراجح في تفسير المدني كما تقدم اهـ شيخنا.
وعبارة الخازن: نزلت بالمدينة إلا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم واقف بعرفة فقرأها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في خطبته وقال: «أيها الناس! إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرمها» ، فإن قلت لم خص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه السورة من بين سور القرآن بقوله فأحلوا حلالها وحرموا حرامها وكل سور القرآن يجب علينا ان نحل حلالها وأن نحرم حرامها؟ قلت: هو كذلك، وإنما خص هذه السورة لزيادة الاعتناء بها، فهو كقوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، فإن الظلم لا يجوز في شيء وفي جميع أشهر السنة، وإنما أفرد هذه الأربعة الأشهر بالذكر لزيادة الاعتناء بها.
وقيل: إنما خص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هذه السورة، لأن فيها ثمانية عشر حكما لم ينزلها في غيرها من سور القرآن. قال البغوي، عن ميسرة: قال: إن اللّه تعالى أنزل في هذه السورة ثمانية عشر حكما لم تنزل في غيرها من سور القرآن وهي قوله: والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام، وما علمتم من الجوارح مكلبين، وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وتمام بيان الطهر في قوله: إذا قمتم إلى الصلاة، والسارق والسارقة، ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ما جعل اللّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة