الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 255
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سورة ق مكية إلا وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية فمدنية وهي خمس وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (مكية) أي: كلها على أحد الأقوال. قوله: (إلا ولقد خلقنا السموات والأرض) أي: على القول الآخر، فلو قال: أو إلا ولقد خلقنا السموات والأرض لكان موفيا بذكر الخلاف، وعبارة القرطبي: مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس، وقتادة: إلا آية وهي قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ق: 38] وفي صحيح مسلم، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: لقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس، وعن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سأل أبا وافد الليثي ما كان يقرأ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الأضحى والفطر؟ قال: كان يقرأ فيهما بقاف والقرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر، وعن جابر بن سمرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ في النحر بقاف والقرآن المجيد، وكانت صلاته بعد تخفيفا، وقرأ العامة ق بالجزم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم قاف بكسر الفاء، لأن الكسر أخو الجزم، فلما سكن آخره حركوه بحركة الخفض، وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء لأنها أخف الحركات، وقرأ هارون ومحمد بن السميقع قاف بضم الفاء، لأنه في غالب الأمر حركة البناء نحو منذ وقط وقبل وبعد. واختلف في معنى ق ما هو؟ فقال يزيد، وعكرمة، والضحاك؟ هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء اخضرت السماء منه وعليه طرفا السماء والسماء عليه مقبية، وما أصاب الناس من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل، ورواه أبو الجوزاء، عن عبد اللّه بن عباس وقال وهب:
أشرف ذو القرنين على جبل ق فرأى تحته جبالا صغارا فقال له: ما أنت؟ قال: أنا ق. قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد اللّه أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزل تلك الأرض، فقال له: يا قاف أخبرني بشيء من عظمة اللّه. قال: إن شأن ربنا لعظيم وإن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج بعضها يحطم بعضا لو لا هي لاحترقت من حرجهم، فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض، واللّه أعلم بموضعها وأين هي من الأرض، ثم قال: إن جبريل عليه السّلام واقف بين يدي اللّه ترعد فرائصه يخلق اللّه من كل رعدة مائة ألف ملك، فهؤلاء الملائكة واقفون بين يدي اللّه منكسون رؤوسهم، فإذا أذن اللّه لهم في