الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 256
ق اللّه أعلم بمراده به وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) الكريم ما آمن كفار مكة بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ رسول من أنفسهم يخوّفهم بالنار بعد البعث فَقالَ الْكافِرُونَ هذا الإنذار شَيْءٌ عَجِيبٌ (2)
أَإِذا بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين الكلام قالوا لا إله إلا اللّه وهو قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا [النبأ: 38] يعني قول لا إله إلا اللّه، وقال الزجاج: معنى قوله ق أي قضي الأمر كما قيل في حم أي حم الأمر، وقال ابن عباس: اسم من أسماء اللّه تعالى أقسم به، وعنه أيضا: أنه اسم من أسماء القرآن وهو قول قتادة، وقال القرطبي: افتتاح أسماء اللّه عز وجل قادر وقاهر وقريب وقاض وقابض، وقال الشعبي: فاتحة السورة، وقال أبو بكر الوراق: معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما، وقال الانطاكي: هو قرب اللّه من عباده بيانه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، وقال ابن عطاء: أقسم بقوة قلب حبيبه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله اهـ.
قوله: (الكريم) أي على اللّه الكثير الخير، فكل من طلب منه مقصودا وجده فيه، ويغني كل من لاذبه وإغناء المحتاج غاية الكرم أو وصف القرآن بالمجيد، لأنه ذو المجد على أن يكون للنسب كلابن وتامر، ثم إن وصف القرآن بالمجيد وهو حال المتكلم به مجاز في الإسناد أو لأنه من علم معانيه وامتثل أحكامه مجد، فعلى هذا يكون مثل بنى الأمير المدينة في الإسناد إلى السبب اهـ كرخي.
قوله: (ما آمن من كفار مكة الخ) أشار بذلك إلى أن جواب القسم محذوف وقدره بما ذكر أخذا مما بعده أو لقد أرسلنا محمدا بدليل قوله: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وقيل: هو قد علمنا وحذفت اللام لطول الكلام، أو هو قوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ [ق: 18] لأن ما قبلها عوض منها كما قال: وَالشَّمْسِ وَضُحاها [الشمس: 1] إلى قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس: 9] وقد فيه للتحقيق بمعنى أن الفعل بعدها محقق الوقوع اهـ كرخي.
قوله: بَلْ عَجِبُوا اضراب عن جواب القسم المحذوف لبيان حالهم الزائدة في الشناعة على عدم الإيمان اهـ أبو السعود.
وقوله: أَنْ جاءَهُمْ أي: من أن جاءهم، وقوله: مُنْذِرٌ مِنْهُمْ أي: لا من الملائكة اهـ.
قوله: فَقالَ الْكافِرُونَ الخ حكاية لتعجبهم والفاء للتفصيل كما في قوله: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ [هود: 45] وإضمار ذكرهم ثم اظهاره للإشعار بتعنتهم في هذا المقال ثم التسجيل على كفرهم بهذا المقال اهـ كرخي.
قوله: هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب بالضم والعجاب بالتشديد أكثر منه وكذلك الأعجوبة، وقال قتادة: عجبهم أن دعوا إلى إله واحد، وقيل: من انذارهم بالبعث والنشور والذي نص عليه القرآن أولى اهـ قرطبي.
قوله: أَإِذا مِتْنا الخ تقرير للتعجب وتأكيد للإنكار، والعامل في أئذا مضمر غني عن البيان مع دلالة ما بعده عليه أي: أحين نموت ونصير ترابا نرجع اهـ أبو السعود.