فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 1، ص: 175
والرأفة شدة الرحمة وقدم الأبلغ للفاصلة
قَدْ للتحقيق نَرى تَقَلُّبَ تصرف وَجْهِكَ فِي جهة السَّماءِ متطلعا إلى الوحي ومتشوقا للأمر باستقبال الكعبة وكان يود ذلك لأنها قبلة قوله: (و قدم الأبلغ) أي مع أن العادة العكس ليكون للأبلغ بعد غيره فائدة، فيقال عالم نحرير ولا يقال نحرير عالم اهـ شيخنا.
وقوله: (للفاصلة) أي لأنها على الميم والفاصلة هي الكلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع، وإنما عبر بالفاصلة دون السجع أخذا من قوله تعالى: فُصِّلَتْ آياتُهُ [فصلت: 3 و44] وهي هنا قوله سابقا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: 39] وهنا لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ اهـ كرخي.
قوله: قَدْ نَرى الخ هذا في المعنى علة ثانية لقوله: وما جعلنا القبلة إلخ، أي إنما حولنا القبلة لنعلم إلخ. ولأنا نرى إلخ اهـ شيخنا.
وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ما هاجر أمر باستقبال بيت المقدس تأليفا لليهود فرضي وأحب وامتثل وصلى مدة، ومع ذلك كان يحب بطبعه أن يستقبل الكعبة، وقال لجبريل، وددت لو حولني اللّه إلى الكعبة، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك ثم عرج جبريل وجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة، فأنزل اللّه: قَدْ نَرى الآية اهـ خازن، وفي البيضاوي، وروي أنه عليه الصلاة والسّلام قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين قد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين اهـ.
وفي المواهب ما نصه: قال الحربي: قدم عليه الصلاة والسّلام المدينة في ربيع الأول فصلى إلى بيت المقدس تمام السنة، وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حولت القبلة، وقيل: كان تحويلها في جمادى، وقيل: كان يوم الثلاثاء في نصف شعبان، وقيل: يوم الاثنين نصف رجب، وظاهر حديث البراء في البخاري أنها كانت صلاة العصر، ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال انه عليه الصلاة والسّلام زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة بكسر اللام، فصنعت له طعاما وكانت الظهر، فصلى عليه الصلاة بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستداروا إلى الكعبة واستقبلوا الميزاب فسمي مسجد القبلتين اهـ. وقوله: فاستداروا إلى الكعبة بأن تحول الإمام من مكانه الذي كان يصلي فيه إلى مؤخر المسجد، فتحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال، ولا يشكل بأنه عمل كثير لاحتمال أنه قبل تحريمه فيها كالكلام أن اغتفر هذا العمل للمصلحة أو لم تتوال الخطا عند التحول، بل وقعت متفرقة اهـ شارحه.
قوله: (قد للتحقيق) أي كما في قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور: 64] لكن صنيع الكشاف يقتضي موافقة ما ذكره سيبويه في الآية من أنها للتكثير بقرينة ذكر التقلب، والتكثير بالنسبة إلى المرئي وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا إلى الرائي وهو اللّه تعالى، لأنه منزه عن ذلك فلا يرد أنها إذا كانت للتكثير