الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 87
كتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم
فِي أَدْنَى الْأَرْضِ أي أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة، التقى فيها الجيشان، والبادىء بالغزو الفرس وَهُمْ أي الروم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ أضيف المصدر إلى المفعول، أي غلبة فارس إياهم سَيَغْلِبُونَ (3) فارس
فِي بِضْعِ سِنِينَ هو ما بين الثلاث إلى التسع أو في الأجل». فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت فقال: لا فتعال أزايدك في الخطر وأماددك في الأجل، فجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى تسع سنين وقيل إلى سبع، فقال: قد فعلت. فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه ولزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا فكفله ابنه عبد اللّه بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه عبد اللّه بن أبي بكر فلزمه وقال:
لا واللّه لا أدعك حتى تعطيني كفيلا ثم خرج إلى أحد ثم رجع أبي بن خلف إلى مكة ومات بها من جراحته التي جرحه إياها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم، وقيل: كان يوم بدر، وربطت الروم خيولهم بالمدائن وبنوا بالعراق مدينة وسموها رومية فقمر أبو بكر أبيا وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك قبل أن يحرم القمار فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «تصدق به» اهـ خازن.
قوله: (و هم أهل كتاب) أي: نصارى، فهم أقرب إلى الإسلام، وقوله: (و ليسوا أهل كتاب) أي: ليس الفرس أهل كتاب بل مجوس فهم أقرب إلى كفار قريش اهـ.
قوله: (غلبتها فارس) اسم أعجمي علم على تلك القبيلة فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث بل والعجمة اهـ.
قوله: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ متعلق بغلبت. قوله: (أي أقرب أرض الروم) فأدنى أفعل تفضيل بمعنى أقرب، وأل في الأرض بدل من المضاف إليه، والمراد بالجزيرة ما بين دجلة والفرات، وليس المراد بها جزيرة العرب وحدها على ما روي عن الأصمعي أنها من أقصى عدن إلى ريف العراق طولا، ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضا، وسبب تسميتها جزيرة إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها كبحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات اهـ زاده.
وقال ابن جزي في تفسيره: الجزيرة بين الشام والعراق وهي أول الروم إلى فارس اهـ.
وفي الخازن: في أدنى الأرض يعنى أقرب أرض الشام إلى فارس، وقيل: هي أذرعات، وقيل:
الأردن، وقيل: الجزيرة اهـ.
وكانت هذه الوقعة قبل الهجرة بخمس سنين على القول بأن الوقعة الثانية كانت في السنة الثانية من الهجرة في يوم بدر كما يؤخذ من قول الشارح الآتي: فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول مع قوله: وعلموا به يوم وقوعه يوم بدر، وقيل: إن الوقعة الثانية كانت عام الحديبية سنة ست، وعليه تكون الوقعة الأولى قبل الهجرة بسنة. قوله: (بالجزيرة) صفة لأرض الروم متعلق بمحذوف أي:
أرض الروم الكائنة بالجزيرة. قوله: وَهُمْ مبتدأ، وقوله: (من بعد غلبهم) مصدر الفعل المبني للمجهول فهو مضاف للمفعول أي: وهم من بعد كونهم مغلوبين أو من بعد مغلوبيتهم، وقوله:
سَيَغْلِبُونَ خبر المبتدأ ومن بعد غلبهم متعلق به اهـ سمين.