الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 134
أول مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) خبر ثان
أَمْ بل يَقُولُونَ افْتَراهُ محمد؟ لا بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ به قَوْمًا ما نافية أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) بإنذارك
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أولها الأحد، وآخرها الجمعة ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وهو قوله: أَمْ يَقُولُونَ أم مقطعة وهي عند البصريين تقدر ببل الإضرابية وهمزة الاستفهام الإنكاري، والشارح هنا قدرها ببل فقط، وقال بعده: لا إشارة إلى أن الاستفهام إنكاري مع أنه لم يذكر الهمزة ولعلها سقطت من قلم النساخ، وقوله: (لا) أي لا ينبغي ولا يليق منهم هذا القول اهـ شيخنا.
قوله: بَلْ هُوَ الْحَقُ إضراب ثان، ولو قيل: بأنه إضراب إبطال لنفس افتراه وحده لكان صوابا وعلى هذا يقال كل ما في القرآن إضراب فهو انتقال إلا هذا فإنه يجوز أن يكون إبطالا لأنه إبطال لقولهم أي: ليس هو كما قالوا مفترى بل هو الحق اهـ سمين.
قوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا ينصب مفعولين، والثاني محذوف قدره بقوله. وفي السمين: الظاهر أن المفعول الثاني للإنذار محذوف وقوما هو الأول إذ التقدير لتنذر قوما العقاب، وما أتاهم جملة منفية في محل نصب صفة لقوما. يريد الذين في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام. وجعله الزمخشري كقوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [يس: 6] فعلى هذا يكون من نذير هو فاعل أتاهم، ومن مزيدة فيه ومن قبلك صفة لنذير، ويجوز أن يتعلق من قبلك بأتاهم، وجوز الشيخ أن تكون ما موصولة في الموضعين، والتقدير لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك، ومن نذير متعلق بأتاهم أي: أتاهم على لسان نذير من قبلك وبواسطته، وكذلك لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ أي:
العقاب الذي أنذره آباؤهم، فما مفعولة في الموضعين، وأنذر متعد إلى اثنين. قوله تعالى: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [فصلت: 13] وهذا القول جار على ظواهر القرآن. قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: 24] أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير. قلت: وهذا الذي قاله ظاهر اهـ.
وفي الخازن: المراد بالقوم العرب لأنهم كانوا أمة لم يأتهم نذير قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقال ابن عباس: يعني أهل الفترة الذين كانوا بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام اهـ.
قوله: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ متعلق بقوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا، والترجي معتبر من جهته عليهم السّلام، أي لتنذرهم راجيا لاهتدائهم أو لرجاء اهتدائهم اهـ أبو السعود.
قوله: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي: على التوزيع كما يأتي في سورة فصلت فخلق الأرض أولا في الأحد والاثنين، وخلق ما فيها ثانيا في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات ثالثا في الخميس والجمعة اهـ شيخنا.
وفي القرطبي: قال الحسن: في ستة أيام أي: من أيام الدنيا، وقال ابن عباس: إن اليوم من الأيام الستة التي خلق اللّه فيها مقداره ألف سنة من سني الدنيا، وقال الضحاك: في ستة آلاف سنة أي:
في مدة ستة أيام من أيام الآخرة، وليست ثم للترتيب وإنما هي بمعنى الواو اهـ.