فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 140
وجواب لو رأيت أمرا فظيعا، قال تعالى
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ الجن وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) وتقول لهم الخزنة إذا دخلوها
فَذُوقُوا العذاب بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي بترككم الإيمان به إِنَّا نَسِيناكُمْ تركناكم في العذاب وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ الدائم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) من الكفر والتكذيب
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا القرآن الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا وعظوا قوله: (و جواب لو لرأيت أمرا فظيعا) أي: شنيعا عجيبا، ويجوز أن تكون لو للتمني والمضي فيها وفي إذ، لأن الثابت في علم اللّه بمنزلة الواقع ولا يقدر لنرى مفعول لأن المعنى لو تكون منك رؤية في هذا الوقت أو يقدر ما دل عليه صلة إذ اهـ بيضاوي.
وقوله: (و المضي فيها) أي: في لو على كونها شرطية لأنها حرف امتناع لامتناع فيما مضى، وقوله: (ما دل عليه) صلة إذ أي: ما أضيفت إليه لأنه بمنزلة الصفة المتممة لها للزومها للإضافة وهو المجرمون أو وقوفهم على النار اهـ شهاب.
قوله: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي أي: وجب قضائي وثبت وعيدي، وقوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ قدم الجن لأن المقام مقام تحقير، ولأن الجهنميين منهم أكثر فيما قيل، ولا يلزم من قوله أَجْمَعِينَ دخول جميع الإنس والجن فيها، لأنها تفيد عموم الأنواع لا الأفراد، فالمعنى لأملانها من ذينك النوعين جميعا كما ذكره بعض المحققين، ورد بأنه قصد ما ذكر كان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقول كليهما، فالظاهر أنها لعموم الأفراد والتعريف فيهما للعهد، والمراد عصاتهما، ويؤيده قوله في آية أخرى خطابا لإبليس: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 85] فتأمل اهـ.
قوله: (أي بترككم الإيمان به) أي: فالمراد بالنسيان لازمه وهو الترك وقوله: وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ تكرير هذا للتأكيد والتشديد ولتبيين المفعول المطوي للذوق والإشعار بأن سببه ليس مجرد النسيان، بل له أسباب أخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا اهـ أبو السعود.
وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. قال الجوهري: وذقت ما عند فلان أي: خبرته، وذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها، وأذاقه اللّه وبال أمره وتذوقته أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق أي: مجرب معلوم اهـ قرطبي.
قوله: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الخ هذا تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي: أنهم لإلفهم الكفر لا يؤمنون بك، وإنما يؤمن بك وبالقرآن المتدبرون له المتعظون به، وهم الذين إذا قرئ عليهم القرآن خروا سجدا، قال ابن عباس: ركعا، وقال المهدوي: وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة آية السجدة، واستدل بقوله عز وجل: وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ [ص: 24] وقيل: المراد به السجود المعروف وعليه أكثر العلماء أي: خروا سجدا للّه على وجوههم تعظيما لآياته وخوفا من سطوته وعذابه، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ