فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 6، ص: 225
الهمزة على ما لم يسم فاعله، والآذن هو اللّه عز وجل، ومن يجوز أن ترجع إلى الشافعين، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع لهم: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قال ابن عباس: جلي عن قلوبهم الفزع، وقال قطرب: أخرج ما فيها من الخوف، وقال مجاهد: كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة أي: أن الشفاعة لا تكون من هؤلاء المعبودين من دون اللّه من الملائكة والأنبياء والأصنام، إلا أن اللّه يأذن للملائكة والأنبياء في الشفاعة وهم على غاية الفزع من اللّه كما قال: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28] والمعنى أنه إذا أذن في الشفاعة وورد عليهم كلام اللّه فزعوا لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف من أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير، فإذا سري عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الملائكة الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن: ماذا قال ربكم، أي: ماذا أمر اللّه به؟ فيقولون لهم: قال الحق وهو أن أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين وهو العلي الكبير، فله أن يحكم في عباده بما يريد، ثم يجوز أن يكون هذا إذنا لهم في الدنيا في شفاعة أقوام، ويجوز أن يكون في الآخرة، وفي الكلام إضمار أي: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ففزع لما ورد عليه من الإذن مهابة لكلام اللّه عز وجل، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم أجابوا بالانقياد. وقيل: هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في كل أمر يأمر به الرب تعالى أي: لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم فزعون اليوم مطيعون للّه تعالى دون الجمادات والشياطين. وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا قضى اللّه في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعا لقوله: (كأنها سلسلة على صفوان) فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم قالوا: الحق وهو العلي الكبير» . قال: «و الشياطين بعضهم فوق بعض» قال: حديث حسن صحيح.
وقال النواس بن سمعان. قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه تعالى إذا أراد أن يوحي بأمر وتكلم بالوحي أخذت السموات والأرض منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من اللّه تعالى، فإذا سمع أهل السموات ذلك صعقوا وخرّوا للّه سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه اللّه تعالى ويقول له من وحيه ما أراد، ثم يمر جبريل بالملائكة كلما مرّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير» قال: «فيقول كلهم كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر اللّه تعالى» . وذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قال: كان لكل قبيلة من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، ثم يقول: يكون في هذا العام كذا ويكون كذا فتسمعه الجن فيخبرون الكهنة، والكهنة تخبر الناس يكون كذا وكذا فيجدونه كذلك، فلما بعث اللّه سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم دحروا ومنعوا بالشهب، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم يذبح كل يوم شاة، حتى أشرعوا في أموالهم فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب: أيها الناس أمسكوا على أموالكم فإنه لم يمت من في السماء أما ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر والليل، والنهار، فقال إبليس: لقد حدث في الأرض اليوم حدث فأتوني من كل تربة أرض فأتوه بها، فلما شم تربة مكة قال: من ههنا جاء الحدث فأنصتوا