فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 7، ص: 478
المراد منه، وإن كان من حيث ظاهره مما يتأسى فيه، قل فمن يملك لكم من اللّه شيئا واستغفاره له قبل أن يتبين له أنه عدو للّه، كما ذكره في براءة رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) من قول الخليل ومن معه، أي قالوا
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي لا تظهرهم المراد منه وهو المعنى الكنائي الذي علمته، وقوله: وإن كان من حيث ظاهره وهو المعنى الوضعي الظاهر من اللفظ وهو أنه لا يملك له ثوابا ولا عقابا، وهذا الكلام من الشارح تقرير لجواب سؤال صورته: أن قوله: وما أملك لك من اللّه من شيء ثابت لإبراهيم ولغيره فيتأسى به فيه وعطفه على المستثنى يقتضي أنه لا يتأسى به فيه وأنه لا يجوز لغيره. وحاصل الجواب: أنه لم يرد به ظاهره الذي هو مناط الإيراد، بل أريد به معنى آخر خاص بإبراهيم لا يتأسى به فيه وهو أنه يملك الاستغفار دون غيره وملكه الاستغفار لأبيه أي: قدرته عليه شرعا وجوازه له لا يتأسى به فيه، وهذا التقرير لم يسلكه غير الشارح وهو أحسن مما سلكه غيره، وقوله: قل فمن يملك الخ استدلال على قوله: يتأسى به فيه فكأنه قال بدليل قوله الخ اهـ شيخنا.
وفي الكرخي: وإيضاحه أن الاستثناء مجموع الكلام لكن بعضه مقصود وبالذات والبعض الآخر تابع له، فيكون وما أملك من اللّه من شيء حالا وتتميما لقوله لأستغفرن لك أي: وما عليه إلا بذل الوسع في الاستغفار ومن ثم جيء بها قسيمة اهـ.
وفي أبي السعود: وقوله تعالى: وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من تمام القول المستثنى محله النصب على أنه حال من فاعل لأستغفرن لك أي: أستغفر لك وليس في طاقتي إلا الاستغفار، فمورد الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده الذي هو في نفسه من خصال الخير لكونه إظهارا للعجز وتفويضا للأمر إلى اللّه تعالى اهـ.
وفي زاده: وقوله: فهو مبني عليه أي: مرتب عليه بطريق العطف أو بطريق الحالية، كأنه قال:
لأستغفرن لك والحال أنه ليس في وسعي وطاقتي إلا الاستغفار، فحكى اللّه عنه هذا الموضوع اهـ.
قوله: (و استغفاره له الخ) بيان لعذر إبراهيم في استغفاره لأبيه الموعود به هنا بقوله: لأستغفرن لك. والمذكور صريحا في سورة الشعراء بقوله: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: 86] والموعود به في سورة مريم بقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم: 47] وبيّن في سورة براءة عذره في الوعد بالاستغفار وترتيب الاستغفار على الوعد بقوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ [مريم: 47] الآية. وحاصل العذر أنه ظن إسلامه وقد تبين خلافه اهـ شيخنا.
قوله: (من مقول الخليل ومن معه) أي: فهو من جملة المستثنى منه فيتأسى به فيه، فهو في المعنى مقدم على الاستثناء وجملة الاستثناء اعتراضية في خلال المستثنى منه، وقوله: قالوا أي فهو معمول للقول السابق أي: قالوا إنا برآء منكم الخ، وقالوا: ربنا عليك توكلنا الخ، وهذا أحد احتمالين في البيضاوي ونصه: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير متصل بما قبل الاستثناء، أو هو أمر من اللّه للمؤمنين بأن يقولوا تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار اهـ.