فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 49
يُضِلُّ بِهِ أي بهذا المثل كَثِيرًا عن الحق لكفرهم به وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا من المؤمنين لتصديقهم به وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الخارجين عن طاعته
الَّذِينَ نعت يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ما عهده إليهم في الكتب من الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ لمثلا أي مثلا يفترق الناس به إلى ضالين ومهتدين وهما على هذا من كلام الكفار، وأجاز أبو البقاء أن يكون حالا من اسم اللّه مضلا به كثيرا وهاديا به، وجوز ابن عطية أن تكون جملة قوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا من كلام الكفار. وجملة قوله وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا من كلام الباري تعالى، وهذا ليس بظاهر لأنه إلباس في التركيب اهـ سمين.
قوله: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الفاسقين مفعول ليضل وهو استثناء مفرغ ويجوز عند الفراء أن يكون منصوبا على الاستثناء، والمستثنى منه محذوف تقديره وما يضل به أحد إلا الفاسقين اهـ سمين.
وفي المصباح فسق فسوقا من باب قعد خرج عن الطاعة، والاسم الفسق وفسق يفسق بالكسر من باب جلس لغة حكاها الأخفش فهو فاسق والجمع فساق وفسقه اهـ.
قوله: (الخارجين عن طاعته) أي بارتكاب الكبيرة وله ثلاث درجات. الأول: يرتكبها أحيانا مستقبحا لها. الثاني: الانهماك فيها بلا مبالاة بها. الثالث: الجحود بأن يرتكبها مستصوبا لها فهو كافر خارج عن إيمان كما نحن فيه، وعند المعتزلة مرتكب الكبيرة لا كافر ولا مؤمن والنصوص تردهم اهـ كرخي.
قوله: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ صفة للفاسقين للذم وتقرير للفسق، والنقض فك التركيب، وأصله فك طاقات الحبل واستعماله في إبطال العهد من حيث إن العهد يستعار له الحبل لما فيه من ربط أحد المتعاهدين بالآخر، فإن أطلق مع لفظ الحبل كان ترشيحا للمجاز، وإن ذكر مع العهد كان رمزا إلى شيء وهو من روافه وهو أن العهد حبل في ثبات الوصلة بين المتعاهدين والعهد الموثق، ووضعه، لما من شأنه أن يراعى ويتعهد كالوصية واليمين، ويقال للدار من حيث إنها تراعى بالرجوع إليها، والتاريخ لأنه يحفظ وهذا العهد إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجج القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسله، وعليه حمل قوله: وأشهدهم على أنفسهم، أو المأخوذ من الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه، وإليه أشار بقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [آل عمران: 178] ونظائره. وقيل: عهود اللّه ثلاثة، عهد أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته، وعهد أخذ على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وعهد أخذه على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه اهـ كرخي.
قوله: (نعت) أي صفة للفاسقين للذم، فيكون في موضع نصب لأن الفاسقين مفعول يضل اهـ بيضاوي.
قوله: مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ متعلق بينقضون، ومن لابتداء الغاية، وقيل زائدة وليس بشيء، وميثاقه