فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، ج 1، ص: 53
الأرض أي قصد إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَ الضمير يرجع إلى السماء لأنها في معنى الجمع خلق السموات، والقصد هو الإرادة وذلك جائز في صفات اللّه تعالى. وقال سفيان بن عيينة، وابن كيسان في قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: أي قصد إليها أي بخلقه واختراعه، فهذا قول. علا دون تكييف ولا تحديد، واختاره الطبري ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه قال: استوى بمعنى أنه ارتفع. قال البيهقي: ومراده من ذلك واللّه أعلم ارتفاع أمره وهو بخار الماء الذي خلق منه السماء، ويظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء، وكذلك في حم السجدة. وقال في النازعات: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها [النازعات: 27] فوصف خلقها ثم قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض. وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: 1] وهذا قول قتادة أن السماء خلقت أو حكاه عنه الطبري. وقال مجاهد والطبري وغيره من المفسرين: أنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه فجعله أرضا وثار منه دخان فارتفع فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل السماء، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك وكانت إذ خلقها غير مدحوة. قلت: وقول قتادة صحيح إن شاء اللّه وهو أن اللّه تعالى خلق أولا دخانا للسماء، ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، ومما يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الأرض ما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ. قال:
إن اللّه تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سع أرضين في يومين، في الأحد والاثنين فجعل الأرض على حوت والحوت هو النون الذي ذكره اللّه بقوله: ن وَالْقَلَمِ [القلم: 1] ، والحوت في الماء على صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على الصخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان أنها ليست في الأرض ولا في السماء، فتحرك الحوت واضطرب فتزلزت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت، فالجبال تفتخر على الأرض وذلك قوله تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15] . وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول:
أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [فصلت: 10] يقول: أقواتها لأهلها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت: 10] وقوله: فسواهن سبع سموات، ذكر تعالى أن السموات سبع، ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ [الطلاق: 12] ، وقد اختلف فيه، فقيل: ومن الأرض مثلهن أي في العدد لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والإخبار، فتعين العدد، وقيل: ومن الأرض مثلهن أي في الغلظ وما بينهن، وقيل هي سبع أنه لم يفتق بعضها من بعض، قاله الماوردي، والصحيح الأول، وأنها سبع كالسموات اهـ.
وعبارته في سورة الطلاق قال الماوردي: وعلى أنها سبع أرضين متفاصلة بعضها فوق بعض تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا يلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل