فهرس الكتاب
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين، ج 2، ص: 233
وعبارة الخازن: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا. الخطاب في منكم للأمم ثلاث أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أجمعين بدليل أن اللّه قال قبل هذه الآية: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [المائدة: 44] ثم قال بعد ذلك وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثم قال؛ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ثم جمع فقال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا. والشرعة الشريعة يعني لكل أمة شريعة، فالتوراة شريعة والإنجيل شريعة والقرآن شريعة والدين واحد، وهو التوحيد، وأصل الشريعة من الشرع، وهو البيان والإظهار، من شرع أي بين وأوضح. وقيل: هو من الشروع في الشيء، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يقصدها الناس فيشربون ويسقون منها. وقيل: الشريعة الطريقة ثم استعير ذلك للطريقة الإلهية المؤدية إلى الدين، والمنهاج الطريق الواضع. قال بعضهم: الشريعة والمنهاج عبارة عن معنى واحد، والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين. وقال آخرون: بينهما فرق لطيف وهو أن الشريعة التي أمر اللّه بها عباده هي عبادته. والمنهاج الطريق الواضح المؤدي إلى الشريعة. قال ابن عباس: في قوله شرعة ومناجا سنّة وسبيلا، وقال قتادة: سبيلا وسنّة، فالسنن مختلفة للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة يحل اللّه عز وجل فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل التغير هو التوحيد والإخلاص للّه والإيمان بما جاءت به جميع الرسل عليهم السّلام. وقال علي بن أبي طالب: الإيمان منذ بعث آدم عليه السّلام شهادة أن لا إله إلا اللّه، والإقرار بما جاء من عند اللّه، ولكل قوم شريعة ومنهاج. قال العلماء: وردت آيات دالة على عدم التباين بين طرق الأنبياء منها، قوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا [الشورى: 13] إلى قول: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13] ، ومنها قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] . ووردت آيات دالة على حصول التباين بينهما منها هذه الآية وهي قوله:
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وطريق الجمع بين هذه الآيات أن كل آية دلت على عدم التباين فهي محمولة على أصول الدين من الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فكل ذلك جاءت به الرسل من عند اللّه، فلم يختلفوا فيه. وأما الآيات الدالة على حصول التباين بينهما، فمحمولة على الفروع وما يتعلق بظواهر العبادات، فجائز أن يتعبد اللّه عباده في كل وقت بما شاء، فهذا هو طريق الجمع بين الآيات واللّه أعلم بأسرار كتابه، واحتج بهذه من قال: إن شرع من قبلنا لا يلزمنا لأن قوله:
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا يدل على أن كل رسول جاء بشريعة خاصة، فلا يلزم أمة رسول الاقتداء بشريعة رسول آخر اهـ بحروفه.
قوله: (لكل) التنوين عوض عن المضاف إليه تقديره لكل أمة أو لكل نبي وجعلنا يحتمل أن يكون متعديا لاثنين بمعنى صيرنا فيكون لكل مفعولا ثانيا مقدما وشرعة مفعولا أولا مؤخرا. وقوله:
مِنْكُمْ متعلق بمحذوف أي أعني منكم، ولا يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لكل، لأنه يلزم منه الفصل بين الصفة والموصوف بقوله جعلنا، وهي جملة أجنبية ليس فيها تأكيد، وما شأنه كذلك لا يجوز الفصل به اهـ سمين.
قوله: شِرْعَةً في المصباح: الشرعة بالكسر الدين، والشرع والشريعة مثله مأخوذ من