وقال تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3] وهو عزَّ وجلَّ قد علم مَن هو الصَّادق ومَن هو الكاذب، لكنَّ المرادَ بهذا العلمِ العلمُ الذي يقع عليه الجزاء بمقتضى الحكمة، فإذا كان المراد به هذا المعنى فتكون الإرادة في العاقبة.
ولأجل احتمال هذين المعنيين لهذه الألفاظ وما يُشاكلها افترق المؤمنون على طائفتين، فطائفة غَلَبَ عليها الخوف مِن السَّابقة، وطائفة غلب عليها الخوف مِن الخاتمة، وإن كان المعنيان متلازمين، لأنَّ السَّابقة إذا تضمَّنت الخير أو الشَّر فالخاتمة في ضمنها داخلة وكذلك بالعكس، لكن بينهما فرقُ ما مِن طريق المشاهدة وعدمها، وهو أنَّ السَّابقة لا يعلمها أحدٌ إلَّا الله تعالى أو مَن شاء إطلاعه عليها بالإخبار له، وذلك مِن باب (خَرق العادةِ) لا تكون إلَّا للأفراد فلا يقع بالسَّابقة علمٌ إلَّا عند معاينة الخاتمة، لأنَّها تدلُّ عليها إذ هي تتضمنها.
والخاتمة بخلاف السَّابقة لأنَّها مشاهَدة مدرَكة حين يقضي الله بها يعاينها النَّاس بعضهم من بعض ويعاينوها مِن أنفسهم، ولهذا قال عليه السَّلام: (( مَنْ مَاتَ عَلَى خَيْرِ عَمَلِهِ فَارْجُوا لَهُ خَيْرًا ) ).
وقد نطق الكتاب والحديث بهما معًا فقال تعالى في السَّابقة: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] . وقال تعالى في الخاتمة: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 27] .