وهنا تنبيه على أنَّ الأصل يفضُل عَلى الفرع بالوضع، وإنْ فضَله الفرعُ بحسن الصفات قيل له: لا تنسَ فضيلة سَبقِه عليك، لأنَّه لَمَّا كان الأبُ أصلًا للابن جُعل له عليه هذا الحقُّ العظيم فإنْ فَضَله بصفة الإيمان - وهي أفضل الصِّفات - قيل له: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] للفضيلة التي سبقا بها.
وكذلك يتعدَّى الحكم لمن كان السبب في هدايتك إلى مولاك. وقد جاء: (( مولاك، ثمَّ مولاك، مَن علَّمك آيةً مِن كتاب الله - يا هذا - قد ملكك بعظيم إحسانه إليك، إن كان في الطبع عروبية أشدَّ ممَّا ملك السيِّد رقبة عبده بالمال، فإنَّ الأحرار يملكون بالإحسانِ أكثرَ وأشدَّ مِن تملُّك العبيد بالدِّرْهمِ والدِّينار ) ). كما ذُكِر: (( ومَن وَجَد الإحسانَ قيدًا تقيَّدَ ) ). فإذا كانت الطبائعُ رذيلة أَبَقَ مِن قيد الإحسان أشدَّ مِن إباق العبد القِنِّ. لحا الله الهجينَ، لا مروءة ولا دين.
ومِن هذا الباب يترتَّب عِظَم حقِّ سيِّدنا صلَّى الله عليه وسلَّم علينا، لأنَّه السَّببُ الموصِل لكلِّ خير، مَنَّ الله به علينا في الدنيا والآخرة. وَهنا زيادة: لأنَّ هذا الأصل لا يفضله فرع أبدًا، لا بوصف صفة، ولا بمعنى. فهو الأصل في جميع الخير، وله فيه السَّبق حِسًَّا ومعنًى. ولذلك ذكر الله عزَّ وجلَّ في محكم التنزيل: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]
فإنَّه ليس فضيلةُ مَن كان أصلًا لخروجك إلى الوجود كمن جُعل أصلًا إلى إنقاذك مِن الجحيم، وأثمرَ ثمرُ اتِّباعِك له خلودَك في النَّعيم.