قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة: 282] .
والواو فيهما: واو الحال، فالأصل هو التَّقوى فإذا حصل ذلك حالًا أتى إذ ذاك الزُّهد راغبًا ولأجل هذا المعنى كان أهل الصُّوفة أكثر مِن غيرهم زهدًا ورفضًا للتَّسبب لكثرة تقواهم، وقد قال عليه الصلاة والسَّلام: (( لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا ) ).
مع أنَّه قد قال بعض مَن غلبت عليه شهوة الطَّلب في معناه: إنَّ طيران الطَّائر في الهواء سببٌ في رزقه فهو تحضيض على التَّسبب وهذا ليس بشيء، وقد أجابه بعض أهل التَّحقيق بجواب مقنع وهو الحقُّ الذي لا خفاء فيه فقال: إنَّ طيران الطَّائر كحركة يد المرتعش سواء، لا حكم لها.
والمجاوب بهذا هو الذي فهم تخصيص الشَّارع عليه السَّلام للطَّير بالذِّكر مِن بين سائر الحيوانات من الوحوش والحشرات وغير ذلك؛ لأنَّ الوحوش والحشرات تتبع أسباب معاشها، فمَن كان منهم يرعى تراه أبدًا يتبع أرض الخصب ويترك أرض الجَدْب فلا تراهم قطُّ في أرض جَدْبة، ومَن كان منهم يقتنص تراه أبدًا يتبع أثر الصَّيد بالشَّمِّ حتَّى يقتنصه، فلمَّا كان هؤلاء تشبَّهوا ببني آدم في التَّسبب عدل عليه السَّلام عن ذكرهم وذكر الطَّير الذي هو يطير في الهواء وليس في الهواء جهة تُقصَد، ولا حَبٌّ يُلْتَقَط ولا شيء يُرعى إلَّا هواء وضياء ثمَّ يمرح في ذلك ويتردَّد فيه حتَّى يُؤتى به إلى رزقه برزقه إليه، فلأجل هذا المعنى خصَّ الطَّير بالذِّكر مِنْ غيره مِنَ الحيوانات وإن كانت الكلُّ تغدو خِماصًا وتروح بطانًا.