فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 415

قوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ ... ) الحديث.

وأما قوله: (بفضلِ رحمَتِهِ) فاحتمل وجوهًا:

منها: أن تكون إشارته عليه السَّلام بها لِمَا أخبر عن مولانا سبحانه أنَّه قَسَم الرحمة على مائة جزء، أخرج للدنيا جزءًا واحدًا، منها يتراحم الخلق كلهم، حتى الفرس ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وادَّخر تسعة وتسعين جزءًا إلى يوم القيامة، فجعل عليه السَّلام نفسَه المكرَّمة مِن جملة المؤمنين تواضعًا لله تعالى.

واحتمل أن يشير عليه السَّلام إلى عجزه عن توفيةِ حقوق الرحمة التي رَحِمَهُ الحقُّ بها حتى يكملها له سبحانه بفضله، فيكون له سببًا إلى دخول الجنَّة، مثل ما ذكره عزَّ وجلَّ في كتابه مِن نعمه سبحانه عليه بقوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى: 6] إلى آخر السورة، ومثل قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] فكأنَّه عليه السلام يقول: وأنا عاجز عن التوفية بالحقوق التي تجب لله تعالى عليَّ بمقتضى الشكر والتعظيم، فلم يَبْقَ بما أرجو دخول الجنَّة إلا برحمة أخرى فاضلة على هذه - أي: زائدة على هذه - يكفِّر بها عن التقصير ويدخلني بها الجنَّة.

واحتمل أن تكون إشارته عليه السَّلام إلى الزِّيادة التي زاده الله تعالى بعدما أكرمه بما ذكرنا وهو قوله جلَّ جلاله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] لأن مَن غُفِر له قد دخل الجنَّة لا محالة، ولا يخطر بخاطر أحد أنَّ الذنوب التي أخبر مولانا سبحانه أنَّه بفضله غفرها للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّها مِن قبيل ما نقع نحن فيها، معاذ الله، لأن الأنبياءَ عليهم السَّلام معصومون مِن الكبائر بالإجماع، ومِن الصغائر على خلاف بين العلماء، والأكثر منهم على أنَّهم معصومون مِن الصغائر كما عصموا مِن الكبائر وهو الحق، لأن رتبتهم جليلة.

وإنَّما ذلك مِن قبيل توفية ما يجب للربوبية مِن الإعظام والإكبار والشكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت