ووضع البشرية وإن رُفع قدرها حيث رُفع فإنَّها تعجز عن ذلك بوضعها، لأنَّها مِن جملة المحدَثات، وكثرة النعم على الذي رفع قدره أكثر مِن غيره، فتضاعفت الحقوق عليه فحصل العجز للكلِّ، كلٌّ على قَدْر حاله، وبقيت المنَّة لله تعالى على الكلِّ، والتجاوز بمجرد الفضل والرحمة لا لحقِّ أحدٍ عليه، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا: {بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17] .
وفيما ذكرنا حُجَّة لأهل الطريق الذين قد أجهدوا أنفسهم في الخدمة ومع ذلك يعترفون بعظيم التقصير، ويخافون أكثر ممَّا يخاف أصحاب الكبائر، وقد ذُكِر عن بعضهم أنَّه اشتهت نفسه تمرًا، فبقي يدافعها أيامًا عديدة إلى أن ظهر له يومًا شراؤه، فلمَّا أخذه مِن البائع وولَّى، وإذا بريح شديدة وبرق ورعد فَرَمَى التَّمر مِن حجره ووبَّخَ نفسه، وقال لها: أهلكتَ الناس بخطيئتك، وخرج هاربًا إلى الله تعالى.
ومما يزيد ذلك بيانًا قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] فإنه بقَدْر العلم به عَزَّ وَجَلَّ يكون الخوف منه، ولا أحد أعلم بالله مِن رسله صلوات الله عليهم أجمعين، وسيِّدُنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، هو القدوة فيهم فيحقُّ مثل هذا الخوف له عليه السَّلام لِمَا به مُنَّ عليه مِن المزية والرفعة، قد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ وَأَخْشَاكُم مِنْهُ ) ).
واحتمل أن يكون لمجموع الوجوه كلها وزيادة، لأنَّه عليه السلام مَعدِن الفصاحة والبلاغة.