بقي بحث مع بعض المنتسبين للمتصوِّفة حيث يأتون بألفاظ يدَّعونها:
فمنها قولهم (بالعلم اللَّدُنِّي) ويُؤثرونه على علم الشَّرع المنقول، ويقولون إنَّهم أخذوا بغير واسطة وغيرهم أخذ بالواسطة، وهذا جهل منهم وخطأ لاشكَّ فيه ولا خفاء، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّما العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ) ).
وقد أنكر عليهم بعض الفقهاء ما ادَّعوه مِن ذلك وقال: ليس هذا بحق، ومُنْكِرُ هذا غَلَطٌ منه أيضًا؛ لأنَّ الشَّريعة دلَّتْ عليه في غير ما آية وغير ما حديث فمنها قوله عليه السَّلام: (( إنَّ مِنْ أُمَّتِي لَمُحْدَّثين، وإنَّ عُمَرَ لَمِنْهُم ) )، وقد ظهر ذلك مِن عمر رضي الله تعالى عنه عيانًا حين نادى لساريةَ وهو على المنبر في المدينة: يا ساريةُ الجبلَ، وكان سارية بالعراق أميرًا على جيش المسلمين فسمعه سارية فطلَع بالمسلمين الجبل، فنَجَوا مِن العدو لتحصُّنهم بالجبل منهم. ومنها قوله عزَّ وجلَّ في كتابِه: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الله} [البقرة: 282] .
وقد أخبر عزَّ وجلَّ في كتابِه حكاية موسى والخَضِر عليهما السَّلام ما هو نصٌّ فيما نحن بسبيله، حيث قال الخَضِر لموسى: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} [الكهف: 67 - 68] . إلى قوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] .
قال المفسِّرون في معناه: إنَّه قال له: أنا على عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله تعالى لا تعلمُهُ أنت، وأنت على عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله تعالى لا أعلمُه أنا، فعِلْمُ موسى عليه السَّلام هو التَّشريع وهو المنقول الذي هو بالواسطة،