يقولُ عليهِ السلامُ: (( إِنَّه لَيُغَانُ على قَلبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللهَ في اليومِ واللَّيلةِ سَبعينَ مَرَّةً ) )، فكيفَ يُغَانُ على قلبِه عليهِ السلامُ ومِن خصائصِهِ أنَّهُ يقولُ: (( تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ) )؟.
وقد اختلفَ الناسُ في مَعنى قولِهِ عليهِ السلامُ: (( يُغَانُ على قَلْبِي ) )بأقاويلَ عديدةٍ، فانفصلْنا عنها ولم نرجِّح إلا ما أذكرُه بعدَ ذكرِ ما أجمعوا على أنه أحسنُ ما قيلَ فيهِ، والانفصالُ عنهُ إنْ شاءَ اللهُ.
فأحسنُ ما قالوا فيهِ أنَّه عليهِ السلامُ كانَ في ترقٍّ مِن مقامٍ إلى مقامٍ، فإذا ترقَّى مِنَ المقامِ الذي كانَ فيهِ إلى ما هو أَعلى اسْتغفرَ اللهَ مِنَ المقامِ الذي كانَ فيهِ، وكأنَّه الآنَ بالنسبةِ للحالةِ التي كانتْ قبلُ كمَنْ غِيْنَ على قلبِهِ، والانفصالُ عنْ هذا الوجهِ بأنهُ نقولُ: سلَّمنا هذهِ المقالةَ وهيَ حسنةٌ إلى ليلةِ المعراجِ حينَ ارتقى الحضرةَ العليَّةَ، والمشاهدةَ بعينِ الرأسِ على مذهبِ ابن عباسٍ، وهو الحقُّ، فبعدَ هذا التَّرَقِّي لا زيادةَ في التَّرقِّي، وبقي الجوابُ فممَ كانَ يُغانُ على ذلكَ القلبِ المباركِ؟ فنقولُ بفضلِ اللهِ: إنه كانَ مِن صفتِه عليهِ السلامُ لمَّا وصفَه الواصفُ طويلَ الفكرةِ كثيرَ الذكرِ قليلَ اللَّفظِ، ففِكرتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد تكونُ في صفةٍ من الصفاتِ أو اسمٍ من الأسماءِ، ولا يمكنُ في الزمنِ الفردِ الفكرةُ في جميعِ الأسماءِ والصفاتِ، فإذا اشتغلَ القلبُ بالفكرةِ في أحدِ الأسماءِ والصفاتِ استولَى على القلبِ المباركِ من تعظيمِ ذلكَ ما صارَ عليهِ كالرَّانِ لأنَّ الرَّانَ هو الشيءُ الذي يُغطِّي القلبَ مِن حُسنٍ أو ضدِّه، فإذا سُرِّيَ عنه مِن تلكَ الحالةِ الجليلةِ استغفرَ من شيئينِ؛ (أحدُهما) مِن شغلُه عنِ الذي بقيَ من الأسماءِ والصفاتِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يطلبُ حقَّه مِن التعظيمِ في كلِّ نَفَسٍ يَرِدُ، (والوجهُ الآخرُ) هو تقصيرُه عن توفيةِ حقِّ تلكَ الصفةِ أو الاسمِ بوضعِ البشريةِ لأنَّ الفاني لا يمكنُ أنْ يوفِّيَ حقَّ الباقِي قطعًا حتمًا، ولذلكَ
قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (( أَعوذُ برضاكَ مِن سخطكَ وبمعافاتِكَ مِن عقوبتِكَ وبكَ منكَ لا أُحصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أَثنيتَ على نفسِكَ ) ).