فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 415

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ...(264)

قوله: (حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ ... ) الحديث. [خ¦2636]

ظاهر الحديث يدلُّ على تحريم شراء الصَّدقة، وإن كانت بشراء صحيح، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمن قائلٍ يقول بالإجازة، ومِن قائل يقول بالكراهة، ومِن قائل يقول بالتَّحريم، وهو الأظهر والله أعلم.

بقي على الحديث سؤالٌ واردٌ وهو أنَّ عمر رضي الله عنه أخبر بأنَّه تصدَّق بالفرس، وذكر الصَّدقة ممنوعٌ بقوله تعالى: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264] ، قال المفسِّرون: الأذى هو ذكر الصَّدقة للنَّاس.

والجواب عنه: أنَّ ذكر الصَّدقة إنَّما يكون إذاية

إذا كان ذكرها لغير حاجة، وأمَّا إذا أدت الضَّرورة إلى ذكرها فلا بأس، وعمر رضي الله عنه إنَّما ذكر الصَّدقة، لأجل ما عارضه مِن الضَّرورة لذكرها، لأنَّ بذكرها يعرف حكم الشَّارع عليه السَّلام فيما أراد أن يفعل، فإن قال قائل: ذلك غير ممتنع، أن لو اقتصر على ذكرها للشَّارع عليه السَّلام، ولكن لمَّا أن حدث النَّاس بذلك وَرَوَوا عنه ما وقع له مِن ذلك ارتفعت تلك العلَّة، قيل له: وجه العلَّة التي لأجلها صرَّح بذلك للنَّاس واضحة أيضًا لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَنْ أَهْدَى إِلَى هُدَى كانَ لَهُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ ) )وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (( مَنْ بَلَّغَ عَنِّي حَدِيْثًا وَاحَدًا يُقيمُ بهِ سُنَّةً، أو يردُّ بهِ بِدْعَةً كُنْتُ لَهُ شَفِيْعًا يومَ القيامةِ ) )إلى غير ذلك مِن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى.

ولمَّا أنْ كان في مسألة عمر رضي الله عنه حكم شرعيٍّ وقاعدة مِن قواعد الأحكام أدَّته الضَّرورة إلى ذكر ذلك للنَّاس لكي يُقتدَى به في ذلك، ولكي يقرر الدِّين ويبينه فكانت الضَّرورة الأخيرة أشدَّ تأكيدًا مِن الأولى.

ولهذا المعنى جاز لأهل الصُّوفية التَّحدُّث مع إخوانهم بما يُظهِر الله على أيديهم مِن الكرامات وخرق العادات، لأنَّ ذكرهم لذلك بين إخوانهم سبب لنشاطهم وسلوكهم ووصولهم إلى رضى ربهم، لأنَّه مِن باب مَن أهدى إلى هدى) كما تقدَّم، ومِن باب قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] هذا إذا كان ذكر ذلك بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت